مؤشرات متزايدة على قلق محمد بن سلمان من الظهور العلني وسط تصاعد التوترات الإقليمية
تتزايد التساؤلات بشأن استمرار غياب ولي العهد محمد بن سلمان عن الظهور العلني خلال فترة التصعيد الإقليمي، في وقت تشير فيه تقارير إعلامية إلى تشديد الإجراءات الأمنية المحيطة بتحركاته، وانتقاله بين قصور محصنة ومجهزة بملاجئ، وسط تصاعد التهديدات والهجمات الحوثية على المملكة.
ويثير هذا المشهد انتقادات بشأن قدرة القيادة السعودية على إدارة الأزمة، ومدى التباين بين الصورة التي سعى ابن سلمان إلى ترسيخها لنفسه في السنوات الماضية وسلوكه الحالي في ظل المخاطر الأمنية.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن ولي العهد، البالغ من العمر 41 عاماً، يتنقل بين قصور شديدة الحراسة ومجهزة بملاجئ، برفقة فريق أمني اختير بعناية، وذلك استناداً إلى مسؤولين مطلعين على تحركاته.
وأشارت الصحيفة إلى أن آخر ظهور علني له، وفقاً للتقرير، كان يوم الثلاثاء الماضي، عندما تبرع بالدم دعماً لحملة تبرع وطنية.
وتفتح هذه المعطيات باب التساؤلات حول طبيعة إدارة ابن سلمان للأزمة، خصوصاً مع استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد الحرب الأمريكية الإيرانية، وما رافقها من تهديدات طالت البنية التحتية والمنشآت الحيوية في منطقة الخليج.
وبينما تفرض الظروف الأمنية اتخاذ تدابير لحماية كبار المسؤولين، يرى منتقدون أن الإفراط في التحصين والابتعاد عن الظهور المباشر قد يبعث برسائل سياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية وحدها.
ويشير نشطاء سعوديون إلى ما يعتبرونه تحولاً في سلوك ولي العهد مقارنة بسنوات سابقة، حين حرص على الظهور بمظهر القائد الموجود في الميدان، القادر على الاقتراب من الجنود ومشاركة المواطنين لحظاتهم الصعبة.
ويستحضر هؤلاء ظهوره عند الحدود السعودية برفقة الجنود، وزياراته للجرحى والمصابين خلال حرب اليمن في عام 2016، معتبرين أن هذا النهج كان جزءاً من الصورة التي عمل على تقديمها للرأي العام.
وفي المقابل، يلفت هؤلاء إلى غيابه عن نهائي كأس الخليج الذي جمع المنتخبين السعودي والإماراتي، بوصفه مؤشراً رمزياً على تغير أسلوب حضوره العام. ويرى بعضهم أن تجنب الظهور في ظل المخاطر الأمنية قد يكون مفهوماً، لكنه يظل، ابتعاداً عن نهج سابق اعتمد على الحضور المباشر وإظهار الثقة في مواجهة التحديات.
ولا تتوقف التساؤلات عند المناسبات الرياضية، إذ أثار غياب ابن سلمان عن مناسبات اجتماعية وعائلية، من بينها حفل زفاف شقيقه، مزيداً من التكهنات بشأن الظروف المحيطة بتحركاته.
كما تداولت تقارير وصور معلومات عن إدارته بعض الملفات من داخل منشآت محصنة، في وقت قارن فيه منتقدون بين هذا السلوك وظهور قادة إقليميين آخرين في مواقع علنية أو عسكرية خلال فترة التوتر.
ويحمل هذا الجدل بُعداً سياسياً يتجاوز مسألة الظهور الشخصي، إذ ترتبط صورة القائد في أوقات الأزمات بقدرته على طمأنة الجمهور وإظهار السيطرة على مجريات الأحداث.
وبينما قد تبرر المخاطر الأمنية تقليص التحركات العلنية، فإن استمرار الغياب من دون رسائل واضحة قد يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات، ويضعف الصورة التي تسعى القيادة إلى ترسيخها.
وتبرز انتقادات أخرى تتعلق بتركيز السلطة في يد ولي العهد، إذ يرى منتقدون أن جمع صلاحيات واسعة في مركز واحد يجعل المسؤولية عن القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية أكثر ارتباطاً بشخصه، ويحد من قدرته على تحميل أطراف أخرى مسؤولية الإخفاقات.
وفي هذا السياق، قال لاري جونسون، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إن ابن سلمان “لم يعد بإمكانه إلقاء اللوم على ابن عم مجنون، بل أصبح لزاماً عليه تحمل كل اللوم”، في إشارة إلى ما يعتبره منتقدون تحمّلاً مباشراً لمسؤولية نتائج السياسات التي اتخذتها القيادة السعودية.
وتتزامن هذه الانتقادات مع ضغوط اقتصادية تواجه المملكة، وسط تساؤلات بشأن كلفة الإنفاق الحكومي الضخم، ومدى دقة تقدير المخاطر المرتبطة بالحوثيين والتوترات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن القرارات التي تركز السلطة في يد ولي العهد تجعل إدارة الأزمات أكثر هشاشة، لأن تداعيات أي تقدير خاطئ قد تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة، بدلاً من احتوائها داخل جهة محددة.
كما تواجه سياسات ابن سلمان الاجتماعية انتقادات من أوساط دينية محافظة، بينها رجال دين يتبنون توجهاً وهابياً، ويرون أن مساعي الانفتاح والتغريب التي تقودها السلطات السعودية أدت إلى توسيع مظاهر يعتبرونها مخالفة لقيمهم الدينية.
ويكشف هذا الخلاف عن استمرار التوتر بين مشروع التغيير الاجتماعي الذي يتبناه ولي العهد وبعض القوى المحافظة التي ترى في سياساته ابتعاداً عن النهج التقليدي للمملكة.
وفي المحصلة، تضع التطورات الحالية صورة محمد بن سلمان أمام اختبار جديد، بين متطلبات الحماية الأمنية والحاجة إلى إظهار الثقة والقدرة على إدارة الأزمات. وبينما لا يكفي الغياب العلني وحده لإثبات وجود حالة خوف أو ارتباك، فإن تزامنه مع تصاعد المخاطر الإقليمية والضغوط الاقتصادية والانتقادات الموجهة إلى تركيز السلطة يعزز الأسئلة بشأن كلفة النهج الذي اختاره ولي العهد، ومدى قدرته على التعامل مع تداعياته السياسية والأمنية.
