هجمات الحوثيين تكشف هشاشة المظلة الأمنية السعودية وسط تصاعد كلفة الحرب
يواجه محمد بن سلمان واحدة من أكبر الأزمات خلال فترة حكمه، مع تصاعد كلفة الحرب في اليمن وهجمات جماعة الحوثيين على المملكة، وتراجع الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة وحلفاء الرياض، فيما تتزايد الضغوط على الاقتصاد السعودي وصورة البلاد بوصفها مركزاً آمناً للاستثمار والطاقة.
وتسببت هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة في مقتل 18 شخصاً على الأقل، وإغلاق المطار الرئيسي في المملكة، وتعليق مئات الرحلات الجوية، وذلك قبل أقل من أسبوعين على موعد استضافة الرياض مؤتمراً استثمارياً دولياً بارزاً.
وتقول تقارير إن الهجمات طالت منشآت حيوية في العاصمة ومواقع للطاقة، ما كشف حدود قدرة الدفاعات السعودية على حماية المدن والبنية التحتية المنتشرة في مساحة جغرافية واسعة.
وأدت الهجمات إلى تحويل أجزاء من الرياض إلى ساحة مواجهة، بعدما سقطت شظايا صاروخ باليستي جرى اعتراضه على منشأة تعليمية ومجمع طبي.
كما تلقى موظفون في الحي المالي وطلاب في مدارس دولية ودبلوماسيون تعليمات بالإخلاء أو الاحتماء، في مشهد يعكس انتقال الخطر من المناطق الحدودية إلى قلب العاصمة.
وتواجه السعودية صعوبة في تغطية أراضيها الواسعة بأنظمة دفاع جوي متكاملة، فيما اضطرت إلى نقل بطاريات الصواريخ من موقع إلى آخر لحماية القصور والمنشآت النفطية والمطارات.
ويعكس ذلك، بحسب المعطيات الواردة في المادتين، اعتماد المملكة على حلول دفاعية مؤقتة بدلاً من امتلاك منظومة قادرة على التعامل مع هجمات متزامنة ومتعددة الاتجاهات.
وتزامن التصعيد مع محدودية الدعم الأميركي. وعلى الرغم من تقديم واشنطن معلومات استخبارية وتحديد أهداف وتوفير خدمات للتزود بالوقود جواً، امتنعت الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربات مباشرة ضد الحوثيين، كما نصحت الرياض بعدم إرسال قوات برية إلى اليمن في ظل استمرار الحرب الإقليمية.
وجاء ذلك رغم الضغوط التي مارسها بن سلمان للحصول على مساعدة عسكرية أوسع، ورغم تعهدات سابقة باستثمارات سعودية ضخمة في الولايات المتحدة.
كما لم تتجاوز المساعدة المقدمة من باكستان وتركيا إطار الدعم الدفاعي المحدود، فيما أبدت مصر استعدادها للنظر في أي طلب سعودي، لكن دولاً خليجية أخرى أحجمت عن الانضمام إلى الحرب، وسط توتر متصاعد في العلاقات السعودية الإماراتية.
وتحاول الرياض، في المقابل، الحصول على مزيد من أنظمة الدفاع الجوي من دول مختلفة، وتبحث حتى في إمكانية الاستعانة بمقاتلين أجانب لمساندة حلفائها اليمنيين.
وتشير المعطيات إلى أن الهجمات باتت تهدد شرايين الاقتصاد السعودي. فقد استهدفت جماعة الحوثيين مصافي النفط ومنشآت التصدير، كما تعرض خط الأنابيب الرئيسي الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر لهجمات بطائرات مسيّرة، ما أعاد الرياض إلى الاعتماد على مضيق هرمز، في وقت تواجه فيه الملاحة عبره قيوداً وهجمات إيرانية.
ورغم اقتراب صادرات النفط السعودية خلال سبتمبر وأكتوبر من مستويات ما قبل الصراع، فإن المملكة تواجه تهديداً مزدوجاً يطال مساري التصدير الغربي والشرقي في آن واحد. كما تعرضت منشآت رئيسية لمعالجة النفط في جازان لهجمات متكررة، بينما لا تزال منشآت أخرى متوقفة أو تعمل بطاقة محدودة.
وتضغط الحرب على الاقتصاد السعودي الذي دخل مرحلة أكثر صعوبة. فقد خفضت الحكومة توقعاتها للنمو من نحو خمسة في المئة إلى انكماش يقدر بـ3.6 في المئة خلال العام الحالي، كما رفعت تقديرات عجز الموازنة إلى نحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وأدت تكاليف الحرب وتراجع ثقة المستثمرين إلى زيادة الحاجة إلى التمويل الخارجي، في وقت تسعى فيه القيادة السعودية إلى تنفيذ مشاريع ضخمة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وألغى الرئيسان التنفيذيان لشركتي «بي بي» و«شل» مشاركتهما في مؤتمر النفط العالمي، بينما يناقش المنظمون تنظيم المؤتمر حضورياً أو عبر الإنترنت. كما أُثيرت شكوك حول قدرة الرياض على عقد مؤتمرها الاستثماري في موعده، في ظل اضطراب حركة الطيران وتصاعد المخاوف الأمنية.
ويرى خبراء أن جماعة الحوثيين راكمت خلال سنوات الحرب خبرة قتالية كبيرة، وطورت قدراتها المحلية في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الدعم الإيراني ومن نقل المعرفة والتدريب وبناء قدرات محلية تجعل تعطيل الإمدادات المباشرة أقل تأثيراً.
ويواجه بن سلمان الآن خيارين صعبين: مواصلة التصعيد العسكري بما يهدد بإطالة الحرب واستنزاف الاقتصاد وإبعاد المستثمرين، أو العودة إلى التفاوض بما قد يُفسر داخلياً على أنه تراجع أمام الحوثيين.
وكانت وساطة عُمانية قد ساعدت سابقاً في التوصل إلى تفاهمات، شملت مساهمة سعودية في دفع رواتب موظفين في مناطق خاضعة للجماعة، مقابل خفض الهجمات على الأراضي السعودية، لكن الرياض لا تبدو حالياً مستعدة لاستئناف الحوار خشية أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نفوذ الحوثيين.
وتكشف التطورات هشاشة الصورة التي حاولت القيادة السعودية ترسيخها عن المملكة بوصفها قوة إقليمية مستقرة ومركزاً آمناً للاستثمار العالمي. فالهجمات لا تهدد المنشآت النفطية والمطارات فقط، بل تضرب أيضاً مشروع بن سلمان السياسي والاقتصادي، وتضع وعود التحول الوطني أمام اختبار أمني واقتصادي متزايد.
