معضلة محمد بن سلمان.. الموازنة بين المتطلبات الأمنية العاجلة والمصالح الاقتصادية
كشفت التطورات في حرب اليمن وتصاعد هجمات جماعة الحوثيين على المملكة، حجم المعضلة التي تواجه ولي العهد محمد بن سلمان، إذ يتعين عليه الموازنة بين المتطلبات الأمنية العاجلة والمصالح الاقتصادية بعيدة المدى.
وأبرزت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن التطورات الميدانية تهدد الصورة التي عمل محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة على ترسيخها بعناية، باعتبار السعودية وجهة استثمارية مستقرة لصناعات المستقبل، بما فيها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والترفيه والعقارات وغيرها.
وروّجت السعودية على مدى أسابيع لمشاركة أسماء بارزة من قادة الأعمال، بينهم الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس» جيمي ديمون، ولاري فينك، رئيس شركة «بلاك روك»، في مؤتمرات استثمارية ضخمة تستضيفها الرياض، بهدف إبراز الإمكانات الاقتصادية للمملكة رغم الحرب الدائرة في المنطقة.
لكن الضربات الصاروخية التي شنها الحوثيون على إحدى صالات الركاب في مطار الرياض الدولي، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين وتعليق جميع الرحلات الجوية، ألقت بظلالها على الفعاليات الاقتصادية المقررة في وقت لاحق من الشهر.
وأثارت الهجمات تساؤلات أوسع بشأن احتمال تعارض المصالح الأمنية والاقتصادية المباشرة للسعودية مع أهداف واشنطن من الحرب في إيران، وأهداف إسرائيل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ومن غير المرجح أن يتراجع خطر الهجمات الحوثية، الذي بات سكان العاصمة السعودية يشعرون به مباشرة، قبل انتهاء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة. إلا أن هذا الاحتمال يبدو بعيداً في ظل رفض طهران شروط إدارة الرئيس دونالد ترامب لوقف إطلاق النار، وتحذير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من احتمال شن إيران هجمات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
وقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى التفاوض مع جماعة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن، والتي ازدادت قوة وقدرة على الصمود خلال 12 عاماً من القتال، في وقت يبدو فيه ترامب متردداً في تقديم دعم جوي أمريكي للسعودية.
ويتبع الحوثيون، من خلال استهداف مطار رئيسي استخدمه العام الماضي 40 مليون مسافر، بينهم أفراد من العائلة المالكة السعودية وكبار رجال الأعمال والرئيس ترامب نفسه، الأسلوب ذاته الذي يستخدمه حلفاؤهم في طهران، والمتمثل في استهداف نقاط الضعف الاقتصادية لخصم أكثر ثراءً وتفوقاً من حيث القوة العسكرية التقليدية.
وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية خلال إدارة الرئيس جو بايدن، إن قدرة الحوثيين على الرد بأساليب غير متكافئة وإلحاق أضرار مؤلمة تضع القيادة السعودية أمام معضلة.
وأضاف راتني: «تحاول القيادة السعودية من جهة إضعاف قدرة الحوثيين على ضرب البنية التحتية للمملكة، بل وقتل المدنيين بسهولة نسبية، ومن جهة أخرى، تواجه ضرورة لخفض التصعيد وإعادة الحياة إلى طبيعتها، حتى لا يصبح هذا الصراع العامل الذي يطغى على كل شيء».
وتساءل راتني: «هل تستطيع السعودية إضعاف الحوثيين، أم أنها بحاجة إلى إيجاد مخرج من الصراع؟»، مشيراً إلى أن المملكة قد تسعى في نهاية المطاف إلى التوصل إلى هدنة مع الحوثيين، من خلال الجمع بين المفاوضات الدبلوماسية والحوافز المالية.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد عرض الأحد التوسط بين السعودية والحوثيين، وفق بيان صادر عن مكتبه. لكن محللين سعوديين يرون أن الرياض ستتجنب على الأرجح قبول العرض الإيراني، نظراً إلى اعتبار طهران الداعم الرئيسي للحوثيين في الصراع اليمني، وهو ما يربط تسوية النزاع في اليمن بالخلافات الأوسع في المنطقة.
وقال سلمان الأنصاري، المعلق السياسي ومؤسس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأمريكية، وهي جماعة ضغط مؤيدة للسعودية في واشنطن: «انظروا إلى الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز التي يمتلكها الحوثيون، فجميعها طُوّرت وصُنعت في إيران».
وأضاف الأنصاري: «بات أوضح من أي وقت مضى أن الحوثيين يتلقون تعليماتهم من الإيرانيين عندما يتعلق الأمر بالقرارات الكبرى والتطورات الإقليمية».
وبدأ الحوثيون، الذين خاضوا صراعاً طويلاً مع السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من الرياض، في إلحاق أضرار اقتصادية بالمملكة بدرجات متفاوتة من التصعيد حتى قبل الهجمات على المطارات.
فقد سيطرت الجماعة الشهر الماضي على الساحل اليمني الممتد بمحاذاة مضيق باب المندب، بعد التخلي نهائياً عن هدنة عام 2022، ما أدى فعلياً إلى خنق أحد المنافذ البحرية الرئيسية لصادرات النفط السعودية.
وفي الوقت نفسه، شنت فصائل مسلحة مدعومة من إيران في العراق هجمات متزامنة بطائرات مسيّرة أدت إلى تعطيل خط أنابيب النفط السعودي الممتد من شرق المملكة إلى غربها.
وفي ذلك الوقت، امتنع ترامب عن التدخل العسكري لدعم محمد بن سلمان، في ظل مواجهته ارتفاع أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني، فضلاً عن تراجع مخزونات الذخائر الأمريكية.
وقال ترامب إن الحوثيين تعهدوا بإبقاء مضيق باب المندب مفتوحاً أمام معظم حركة الملاحة البحرية، والامتناع عن استهداف المصالح الأمريكية.
وظل موقف ترامب غير حاسم حتى بعد استهداف الحوثيين المصافي والمطارات السعودية رداً على الغارات الجوية للمملكة. وقال الرئيس الأمريكي، في حديث للصحفيين عقب الهجوم على مطار الرياض يوم السبت، إنه يدرس المشاركة في الغارات الجوية السعودية ضد أهداف حوثية، لكنه أكد أن الولايات المتحدة لا تزال على «تواصل» مع الجماعة.
وكان ترامب قد نفذ العام الماضي حملة من الضربات الجوية ضد الحوثيين، لكن تلك العملية جرت قبل دخول الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.
وقال المحلل السياسي السعودي علي الشهابي إن المملكة تدرك تردد ترامب في الانخراط في جبهة قتال جديدة، واصفاً طلبات المساعدة السعودية بأنها محدودة.
وأوضح الشهابي أن الرادارات والطائرات العسكرية الأمريكية تستطيع تحديد مواقع منصات إطلاق الصواريخ الحوثية وقصفها بسرعة أكبر بكثير من القوات الجوية السعودية، التي يتعين عليها انتظار معلومات الاستخبارات الأمريكية قبل تنفيذ ضرباتها.
وقال: «ستكون المساعدة الأمريكية مفيدة للغاية، لكن الرئيس ترامب لديه اعتبارات سياسية داخلية، ونحن نتفهم ذلك».
وأضاف: «المساعدة التي ترغب السعودية في الحصول عليها في اليمن محددة للغاية، وتستهدف منصات إطلاق الصواريخ. نحن لا نتحدث عن حملة جوية مفتوحة».
وقلّل الشهابي، الذي يشغل أيضاً عضوية المجلس الاستشاري لمشروع مدينة نيوم السعودية العملاقة، من التداعيات الاقتصادية للهجمات الحوثية على المطارات السعودية، معتبراً أن المملكة تستطيع إعادة نشر منظومات الدفاع الجوي لتوفير حماية أفضل للبنية التحتية المدنية.
وأكد منظمو «مبادرة مستقبل الاستثمار»، أبرز قمة استثمارية تستضيفها الرياض هذا الشهر والمعروفة باسم «دافوس الصحراء»، أن المؤتمر سينطلق في 26 أكتوبر/تشرين الأول كما هو مقرر، مع استمرار إدراج أسماء كبار المسؤولين التنفيذيين، ومن بينهم جيمي ديمون من «جيه بي مورغان تشيس»، ضمن قائمة المشاركين.
وقالت الرئيسة التنفيذية للمنتدى، مها آل سعود، في بيان، إن إجراءات أمنية «شاملة» يجري إعدادها لتأمين مطارات الرياض وفنادقها ومقار انعقاد المؤتمرات.
ومن المقرر أيضاً أن ينطلق الأسبوع المقبل، كما كان مخططاً، مهرجان «موسم الرياض» الرياضي والترفيهي، الذي يستمر عشرة أسابيع، ويتضمن مباريات تنس يشارك فيها النجم نوفاك ديوكوفيتش، وحفلات غنائية يحييها الفنان الفلسطيني اللبناني فضل شاكر، وفق المنظمين.
لكن وزير الطاقة الإيطالي جيلبرتو بيكيتو فراتين أعلن أنه لن يحضر مؤتمراً دولياً رئيسياً آخر، هو «مؤتمر البترول العالمي»، الذي انطلقت أعماله يوم الأحد، وسيشارك فيه عبر الاتصال المرئي بدلاً من الحضور شخصياً.
وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن الرؤساء التنفيذيين لشركات «إكسون موبيل» و«توتال إنرجيز» و«شل» و«بي بي» انسحبوا من المؤتمر.
وقالت كريستين سميث ديوان، الباحثة المقيمة البارزة في معهد دول الخليج العربية، وهو مركز أبحاث في واشنطن، إن نجاح التحول الاقتصادي السعودي يتطلب استقطاب المواهب والاستثمارات والسياح من مختلف أنحاء العالم.
وأضافت: «لا يمكنك تحقيق ذلك عندما يعجز الناس عن الهبوط بأمان في بلدك».
ورأت ديوان أن القيادة السعودية قد تختار تعليق مشروعها الاقتصادي، الذي يمثل أولويتها القصوى، مؤقتاً من أجل دفع الحوثيين إلى التراجع في اليمن، ولا سيما إبعادهم عن مضيق باب المندب، قبل السعي إلى التوصل إلى هدنة عبر المفاوضات.
وقالت: «السعوديون مستعدون لتحمل أضرار على المدى القصير من أجل معالجة ما يعتبرونه تهديداً دائماً على المدى الطويل».
وأضافت: «لكن هذا بالتأكيد يضع المشروع بأكمله في حالة تعليق. إنها معضلة».
