تفاصيل كاملة لقصة أغبى اختراق سعودي في أكبر شركة للذكاء الاصطناعي في العالم
كشفت قضية اتهام المهندس السعودي عبد الرحمن الفوزان بمحاولة اعتراض اتصالات داخل شركة «أوبن إيه آي» للذكاء الاصطناعي عن تفاصيل بدأت بجهاز تسجيل صغير لا يتجاوز سعره 14 دولاراً، ولفافة من ورق المرحاض، وانتهت بتدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي وقسم مكافحة التجسس في وزارة العدل.
وعُثر على الجهاز خلف تلفاز في قاعة قيادة داخل شركة «أوبن إيه آي»، وهي القاعة التي تعقد فيها اجتماعات كبار المسؤولين التنفيذيين، وتُقدَّم فيها إحاطات لمسؤولين حكوميين وشركاء، وتناقش فيها الأبحاث والمنتجات السرية. ولم يكن الفوزان مخولاً بدخول القاعة، وفق تفاصيل القضية.
من هو عبد الرحمن الفوزان؟
الفوزان مهندس سعودي يبلغ من العمر 35 عاماً، ومقيم دائم في الولايات المتحدة منذ عام 2020. تخرّج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT»، وحصل على درجة الماجستير في علوم البيانات من جامعة بيركلي.
وعمل الفوزان لسنوات في شركة «ميتا»، وقدّمته وسائل إعلام بوصفه «أول مهندس سعودي في فيسبوك». ثم انضم إلى «أوبن إيه آي» في يوليو/تموز 2025، قائداً هندسياً في فريق «وكلاء الذكاء الاصطناعي».
ولم يكن اسمه غريباً على الإعلام الرسمي السعودي. ففي عام 2018، اختاره مركز التواصل الحكومي للظهور في حملة «السجادة الخضراء» المرافقة لزيارة ولي العهد السعودي إلى سان فرانسيسكو، حيث تحدث عن تجربته في شركة «فيسبوك». كما انتشرت له صورة مع ولي العهد خلال إحدى زياراته للولايات المتحدة.
وفي مقابلة سابقة، تحدث الفوزان عن لقائه بولي العهد في وادي السيليكون عام 2016، وقال إن ذلك اللقاء حسم حيرته بشأن مستقبله، بعدما قرر بناء خبرته في الخارج ثم العودة بها إلى السعودية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أجرت وكالة الأنباء السعودية «واس» مقابلة معه على هامش منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، قال خلالها إن أبرز ما يميز المجتمع السعودي التقني في وادي السيليكون هو وجود كفاءات سعودية في مناصب عليا.
شراكة بين وادي السيليكون والرياض
لم يكن الفوزان موظفاً في «أوبن إيه آي» فقط، بل كان في الوقت نفسه شريكاً في شركة «رائد فنتشرز» السعودية لتمويل الشركات التقنية الناشئة. ومن بين الجهات التي تموّل الشركة صندوق الاستثمارات العامة السعودي.
وفي 6 فبراير/شباط 2025، أعلنت «رائد فنتشرز» انضمام شريك جديد إليها هو الأمير خالد بن بدر آل سعود. وبعد يومين فقط، أعلنت انضمام الفوزان إلى الشركة.
وبحسب الصحفي الأميركي سكوت ستيدمان، تشير سجلات شركات بريطانية وسيرة جامعية تذكر والدي الأمير باسم «بدر وسارة» إلى أنه ابن العميد الأمير بدر بن سعود بن محمد آل سعود، الذي عمل، وفق سيرته المنشورة، ضابطاً في قسم العمليات الخاصة بالاستخبارات العامة.
ويضيف ستيدمان أن ثلاثة صناديق سعودية مدعومة حكومياً على الأقل استثمرت في «رائد فنتشرز». ويرى أن هذه الشراكة، إلى جانب ارتباط الفوزان بأمير والده ضابط استخبارات سابق، تضع المهندس «على بُعد درجة واحدة» من مسؤول سعودي كبير.
وقبل أيام من كشف القضية، أطلق الأمير خالد شركته «إيشلون» للذكاء الاصطناعي في الرياض، بتمويل من «رائد فنتشرز» نفسها، ومن بن هورويتز، أحد أكبر المستثمرين في وادي السيليكون. وتتضمن خطط الشركة إنشاء قسم للصناعات الدفاعية.
وهنّأ هورويتز الأمير علناً، وكتب: «تهانينا لشريكنا العظيم». كما يقدم الأمير نفسه مستشاراً لصندوق هورويتز، في حين يمول الصندوق شركة «ناش»، التي عمل فيها الفوزان قبل انتقاله إلى «أوبن إيه آي».
كيف بدأت القضية؟
خلال عملية تفقد أمني لقاعة القيادة في «أوبن إيه آي»، عثر فريق الأمن خلف التلفاز على جسم ملفوف بورق المرحاض. وحللت الشركة الجهاز باستخدام نماذجها، لتصل إلى موظف لديها، قبل أن يطرق مكتب التحقيقات الفيدرالي بابه، ويخرج اسم عبد الرحمن الفوزان إلى العلن.
ووفقاً للشكوى، ظهر الفوزان قرب القاعة عشر مرات على الأقل خلال سبتمبر/أيلول. وكان يسأل أداة الذكاء الاصطناعي الداخلية في الشركة عن اجتماعات اليوم في القاعة، وعن الأماكن التي يعقد فيها الشركاء الخارجيون اجتماعاتهم عادة، ما اعتُبر بحثاً عن الموقع المناسب لزرع أجهزة التسجيل.
وبين 24 و30 سبتمبر، كان حساب مرتبط بزوجته يسأل روبوت محادثة عن كيفية صنع مسجل صوت يعمل باستمرار، وكيفية تشفيره والاستماع إليه عن بُعد. كما سأل عن الجهاز نفسه الذي عُثر عليه لاحقاً، وذكر رقمه التعريفي الذي لا يتكرر في أي جهاز آخر.
وزُرع الجهاز، وفق تفاصيل القضية، نحو 28 سبتمبر، وعثر عليه الأمن بعد يومين موصولاً بمنفذ USB خلف التلفاز. وكان عبارة عن لوحة إلكترونية بحجم الإبهام، تضم ميكروفوناً وذاكرة مشفرة، ويباع مثيلها على الإنترنت بنحو 14 دولاراً، رغم وصف «أوبن إيه آي» له بأنه «جهاز تسجيل متطور».
الفخ الثاني والاعتقال
لم تكتفِ الشركة بإزالة الجهاز، بل أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووضعت كاميرا داخل القاعة. وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، دخل الفوزان القاعة واتجه إلى التلفاز وألقى نظرة خلفه، بينما كانت الكاميرا ترصد تحركاته.
وفي اليوم نفسه، نسي حقيبته في غرفة أخرى. وعندما فتح رجال الأمن الحقيبة، عثروا على محفظته وهويته وجهاز تسجيل ثانٍ يشبه الجهاز الأول. ثم أبلغ الفوزان بنفسه عن فقدان الحقيبة، وذهب لاستعادتها من قسم المفقودات.
وقالت «أوبن إيه آي» إن لديها أدلة على أنه كان ينوي زرع أجهزة أخرى.
وفي 9 أكتوبر، فصلت الشركة الفوزان، في توقيت جرى تنسيقه مع مكتب التحقيقات الفيدرالي حتى لا يتعطل التحقيق، واعتُقل في اليوم نفسه. ويواجه تهمة محاولة اعتراض اتصالات شفهية، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى خمس سنوات سجناً. وقالت الشركة إنها لم تجد دليلاً على سرقة أوزان نماذجها أو شيفرتها.
تذكرة سفر وتحقيق للأمن القومي
كان الفوزان قد حجز رحلة إلى السعودية في 12 أكتوبر، له ولزوجته وفرد ثالث من العائلة، وكانت التذكرة ذهاباً فقط، أي بعد ثلاثة أيام من اعتقاله. ولهذا طلب الادعاء إبقاء القضية سرية، مشيراً إلى امتلاكه الوسائل والحافز للفرار، بينما قال محاميه إن التذكرة كانت مدفوعة مسبقاً.
ولم تتعامل وزارة العدل مع القضية بوصفها سرقة تجارية تتولاها الشعبة الجنائية، بل أشركت فيها قسم مكافحة التجسس في شعبة الأمن القومي، وهو قسم يرتبط عادة بملفات نشاط الحكومات الأجنبية.
كما كتب وزير العدل الأميركي أن سرقة تقنيات الذكاء الاصطناعي الفائق تمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي، فيما قال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي إن حماية هذه التقنيات من أعلى أولويات المكتب في مكافحة التجسس.
وتبيع واشنطن الرياض أحدث رقائق «إنفيديا» على أساس الثقة بأنها ستحميها، بينما تبني شركة «هيوماين» السعودية نموذجها العربي بالشراكة مع شركة «ميني ماكس» الصينية. وأثارت القضية تساؤلات حول مدى إمكانية ائتمان السعودية على أسرار الذكاء الاصطناعي.
وكتب الباحث كريس ماغواير في مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن أنه إذا ثبت تورط الحكومة السعودية، فلن يكون هناك معنى لبيعها رقائق الذكاء الاصطناعي، خصوصاً إذا كانت تستخدمها لتطوير نماذج صينية.
ولا تتهم واشنطن الرياض حتى الآن، كما أن عبد الرحمن الفوزان بريء حتى تثبت إدانته. لكن القضية تجمع خيوطاً تتصل بالإعلام الرسمي، وصندوق سيادي، وأمير ابن ضابط استخبارات، فيما قد تدفع الرياض ثمناً في صفقات الرقائق قبل أن يدفعه الفوزان في المحكمة.
