تراجع العمالة الأجنبية في السعودية لأول مرة منذ عامين يثير تساؤلات بشأن رؤية 2030
كشف تقرير لموقع “سيمافور” الأمريكي، عن تراجع أعداد العمالة الأجنبية في السعودية للمرة الأولى منذ أكثر من عامين، في تطور يعكس الضغوط التي تواجه سوق العمل والمشاريع الكبرى في المملكة، ويثير تساؤلات بشأن قدرة رؤية 2030 على الحفاظ على وتيرة التوسع الاقتصادي وجذب الكفاءات والاستثمارات التي تحتاج إليها لتحقيق أهدافها.
وأفاد التقرير، بأن عدد الأجانب العاملين في المملكة، باستثناء العاملين في المنازل، انخفض بمقدار 16 ألف عامل خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو الماضي، استناداً إلى بيانات حكومية فصلية، في أول تراجع من نوعه منذ أكثر من عامين.
وعزا التقرير الانخفاض بصورة رئيسية إلى تراجع الوظائف في قطاع البناء، الذي يمثل أحد المحركات الأساسية للمشاريع العقارية والبنية التحتية المرتبطة بخطط التحول الاقتصادي السعودي.
ويضع هذا التراجع مستهدفات رؤية 2030 أمام اختبار جديد، بعدما اعتمدت المملكة خلال السنوات الماضية على استقدام العمالة الأجنبية لتلبية احتياجات المشاريع العملاقة، وتوسيع قطاعات السياحة والترفيه والعقارات والخدمات، وتقليص اعتماد الاقتصاد على النفط.
ويعني انخفاض أعداد العاملين الأجانب أن الطلب على العمالة في بعض الأنشطة الاقتصادية لم يعد يتحرك بالوتيرة السابقة، وإن كان الرقم المسجل وحده لا يكفي لإثبات حدوث انكماش شامل في الاقتصاد.
وربط موقع “سيمافور” هذا التطور بمجموعة من العوامل، بينها تسريح موظفين وعدم تجديد عقود عمل في شركات خاضعة لسيطرة الدولة، إلى جانب خفض موازنات بعض المشاريع وتأجيل أعمال أخرى أو تقليص نطاقها.
وأشار التقرير إلى مشروع “نيوم” بوصفه أحد المشاريع التي شهدت تقليصاً كبيراً في نطاق خططها، في ظل إعادة ترتيب الأولويات والضغوط على الإنفاق.
ويكتسب تراجع وظائف البناء أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباط القطاع مباشرة بمشاريع التوسع العمراني والبنية التحتية التي تحتل موقعاً محورياً في رؤية 2030.
فتباطؤ الطلب على العمالة في هذا المجال قد يعكس تغيراً في جداول تنفيذ المشاريع أو إعادة تقييم تكاليفها أو تقليص احتياجاتها البشرية، وهي تطورات يمكن أن تنعكس على المقاولين والموردين والأنشطة التجارية المرتبطة بأعمال الإنشاء.
وتبرز هنا إحدى المعضلات التي تواجه الاستراتيجية السعودية، إذ تحتاج المشاريع الكبرى إلى إنفاق مستمر وأعداد كبيرة من العمال والمهندسين والفنيين، بينما يؤدي خفض الموازنات أو تقليص نطاق التنفيذ إلى تراجع الحاجة إلى هذه الفئات.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يفرض على الجهات المشرفة على المشاريع إعادة النظر في الجداول الزمنية والتكاليف والقدرة على تحقيق المستهدفات المعلنة.
وتزامن التراجع مع تصاعد الضغوط على توظيف الأجانب في الشركات المرتبطة بالدولة، بعدما أثارت منشورات وشكاوى على منصات التواصل الاجتماعي انتقادات بشأن شغل وافدين مناصب وظيفية، ولا سيما المناصب العليا، في شركات ومشاريع كبرى.
وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” في يونيو الماضي أن السلطات السعودية استدعت 49 شخصاً على خلفية 68 مخالفة مزعومة مرتبطة بمنشورات على وسائل التواصل، في سياق حملة ضد شكاوى توظيف الأجانب.
ويكشف هذا الجدل عن تحدٍ إضافي أمام الحكومة السعودية، يتمثل في الموازنة بين مطالب المواطنين بزيادة فرص العمل والترقي الوظيفي، وبين حاجة الاقتصاد إلى الخبرات الأجنبية في قطاعات لا تتوافر فيها بالضرورة جميع المهارات المطلوبة محلياً.
وقد يؤدي تصاعد الضغوط الاجتماعية على توظيف الوافدين إلى تعقيد جهود استقطاب الكفاءات، خصوصاً إذا اقترن ذلك بتراجع المشاريع أو عدم وضوح المسارات المهنية المتاحة.
وزادت الحرب مع إيران من حالة عدم اليقين الإقليمي، بحسب تقرير “سيمافور”، الذي أشار إلى أن الصراع أضر بصورة المنطقة باعتبارها وجهة آمنة للعمل والإقامة.
وقد تؤثر المخاطر الأمنية في قرارات بعض العمال والخبراء والشركات بشأن الانتقال إلى السعودية أو الاستمرار فيها، وإن لم يحدد التقرير حجماً رقمياً مستقلاً لتأثير الحرب في تراجع العمالة الأجنبية.
ولم ينعكس انخفاض أعداد الوافدين حتى الآن في تحسن واضح في معدل البطالة بين المواطنين السعوديين، وفق التقرير.
وأظهرت بيانات سوق العمل الرسمية أن معدل البطالة بين السعوديين بلغ 6.5% في الربع الثاني من عام 2026، مرتفعاً بمقدار 0.1 نقطة مئوية مقارنة بالربع السابق، لكنه انخفض بمقدار 0.3 نقطة مئوية على أساس سنوي.
وتوضح هذه الأرقام أن سوق العمل يواصل تسجيل تغيرات متباينة، ولا يمكن اعتبار تراجع العمالة الأجنبية دليلاً تلقائياً على انتقال الوظائف إلى المواطنين.
وفي المقابل، لا تشير البيانات المتاحة إلى توقف خلق الوظائف في المملكة، إذ أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية توثيق 419,381 عقد عمل للسعوديين عبر منصة قوى خلال الربع الثاني، وانضمام 258,829 مستفيداً سعودياً جديداً إلى المنصة.
لكن هذه الأرقام تقيس العقود المسجلة والمستفيدين الجدد، ولا تكفي وحدها للحكم على صافي الوظائف المستحدثة أو استدامتها أو مدى توافقها مع احتياجات الباحثين عن عمل.
ويضع تراجع العمالة الأجنبية رؤية 2030 أمام مؤشر يستحق المتابعة، خصوصاً إذا استمر انخفاض التوظيف في قطاع البناء وتزامن مع مزيد من تقليص المشاريع الكبرى. فنجاح الرؤية لا يرتبط بالإعلان عن المشروعات وحجم الاستثمارات المخطط لها فحسب، بل يتطلب أيضاً تنفيذها ضمن جداول زمنية واقعية، وتوفير فرص عمل مستدامة، والمحافظة على قدرة المملكة على استقطاب الكفاءات اللازمة لتنويع اقتصادها.
ومع ذلك، لا يكفي انخفاض العمالة الأجنبية بمقدار 16 ألفاً خلال ربع واحد لإعلان فشل الرؤية بأكملها، كما لا تكفي المؤشرات الإيجابية في بعض جوانب سوق العمل لنفي التحديات القائمة. لكن التطور يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الفجوة بين الطموحات المعلنة والقدرة الفعلية على تنفيذ المشاريع، ومدى قدرة الاقتصاد السعودي على مواصلة التوسع في ظل قيود الإنفاق والتوترات الإقليمية والضغوط الاجتماعية.
وتتوقف دلالة هذا التراجع على ما ستكشفه البيانات اللاحقة: فإذا استعاد التوظيف نموه واستمرت المشاريع في التنفيذ، فقد يكون الانخفاض تصحيحاً محدوداً في سوق العمل؛ أما إذا تحول إلى اتجاه مستمر شمل قطاعات متعددة، فسيصبح مؤشراً أكثر أهمية على الصعوبات التي تواجه تنفيذ مستهدفات رؤية 2030.
