السعودية تخفي جثامين المُعدَمين وتحرم عائلاتهم من الحقيقة والوداع
سلطت منظمة حقوقية الضوء على معاناة عائلات أشخاص نفّذت السلطات السعودية بحقهم أحكام الإعدام، من دون إخطار مسبق، قبل أن تحجب جثامينهم وتمتنع عن الكشف عن أماكن دفنهم، في ممارسات تحرم الأسر من معرفة الحقيقة والوداع لأحبائها واستعادة رفاتهم ودفنهم وفق معتقداتها وتقاليدها.
وبحسب المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن معاناة عائلات المُعدَمين لا تنتهي بإعلان تنفيذ حكم الإعدام، بل تستمر مع غياب المعلومات حول مكان الجثمان وظروف الدفن، وحرمان الأسر من إقامة مراسم الوداع والحداد.
ورأت المنظمة أن حرمان شخص من حريته، ثم تنفيذ حكم الإعدام بحقه بصورة سرية ومن دون إخطار عائلته، يعقبه حجب المعلومات عن مكان رفاته، قد يحقق، بحسب ظروف كل قضية، عناصر الاختفاء القسري أو يشكّل استمراراً له.
وأكدت أن إعلان وفاة الشخص يكشف جانباً من مصيره، لكنه لا يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بمكان وجود جثمانه ومصير رفاته.
وعلى الرغم من أن السعودية ليست طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تشير المنظمة إلى أن الحظر المطلق للاختفاء القسري ملزم بموجب القانون الدولي، فيما تشكل أحكام الاتفاقية معياراً دولياً أساسياً لتقييم تعامل الدول مع مصير المختفين ورفاتهم وحقوق عائلاتهم.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل ارتفاع غير مسبوق في أعداد الإعدامات التي تنفذها السعودية. فبحسب رصد المنظمة، نفذت المملكة ما لا يقل عن 345 حكم إعدام خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 356 حكماً خلال عام 2025، وهي أعلى حصيلة سنوية معروفة في تاريخ السعودية الحديث. وحتى 19 أغسطس/آب 2026، بلغ عدد من أُعدموا ما لا يقل عن 134 شخصاً.
وتقول المنظمة إن العائلات تعرف في عدد من الحالات بخبر الإعدام بعد وقوعه، ما يحرمها من الزيارة الأخيرة والوداع.
وفي قضية عباس الحسن، قالت المنظمة إن السلطات لم تكتف برفض إعادة جثمانه، بل مارست، بحسب ما وثقته، ضغوطاً وتهديدات لمنع المطالبة به، كما حالت دون إقامة مراسم العزاء والتعبير العلني عن الحزن.
أما في قضية مصطفى الدرويش، فقد نُفذ حكم الإعدام بصورة مفاجئة بينما كان ذووه ينتظرون اتصاله الأسبوعي المعتاد، من دون أن تتاح لهم فرصة الوداع.
وفي قضية عبد الله الدرازي، ظهر خبر الإعدام عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعرف به أسرته، فيما نُفذ حكم الإعدام بحق سعود الفرج بينما كان ذووه يعتقدون أن القضية لا تزال في إحدى مراحل الاستئناف.
وتقول المنظمة إنه في جميع هذه الحالات لم تُعد الجثامين إلى العائلات، وحُرم ذوو المُعدَمين من دفن أحبائهم وإقامة مراسم الوداع والحداد.
كما رصدت المنظمة، منذ بداية عام 2026، تنفيذ السعودية أحكام الإعدام بحق ما لا يقل عن 20 مواطناً إثيوبياً في قضايا مخدرات غير مميتة. وقالت إن معظم العائلات لم تتلق إخطاراً مسبقاً، ولم تُمنح فرصة الوداع، فيما بقي مصير الجثامين وأماكن دفنها مجهولاً.
ونقلت المنظمة شهادات لأقارب محكومين إثيوبيين بالإعدام قالوا إن بعضهم لم يعرف حتى باعتقال أقاربه إلا بعد أسابيع، عبر تناقل الأخبار أو اتصالات أفراد من المجتمع، وليس من السلطات السعودية أو الإثيوبية.
وفي بعض الحالات، أفادت شهادات بأن عائلات لم تعرف بتنفيذ حكم الإعدام إلا من خلال اتصال زملاء أبنائها من داخل السجن.
وتشمل الحالات التي أثارت انتقادات دولية المواطن الأردني حسين أبو الخير، والد ثمانية أبناء، الذي أُعدم في 12 مارس/آذار 2023 بعد إدانته في قضية مخدرات غير مميتة، إثر محاكمة قالت المنظمة إنها لم تستوف معايير العدالة، واستندت إلى اعتراف قال أبو الخير إنه انتزع تحت التعذيب.
وقالت المنظمة إن أسرته لم تُخطر بقرب تنفيذ الحكم ولم تحصل على فرصة لوداعه، وبقي جثمانه محجوباً عنها.
وفي 28 فبراير/شباط 2024، أعدمت السعودية المواطن المصري عصام الشاذلي، بعد يوم واحد من رفض المحكمة العليا طلب الالتماس في قضيته، وفقاً للمنظمة، التي قالت إن التنفيذ جرى بسرعة لم تترك وقتاً فعلياً لاتخاذ خطوات قانونية إضافية أو تمكين أسرته من الاستعداد والوداع، فيما بقي جثمانه محجوباً عن ذويه.
كما وثقت المنظمة حالات لمواطنين باكستانيين قالت إن عائلاتهم لم تتلق إخطاراً مسبقاً بتنفيذ الأحكام، ولم تُبلّغ بمكان الدفن أو تُمنح فرصة للمطالبة بالجثامين.
وتنص المادة الثالثة والستون بعد المائة من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية السعودي على أن تتولى الجهة المختصة، بعد تنفيذ عقوبة القتل أو الرجم، تجهيز الميت ودفنه.
كما يسمح تعديل صدر عام 2020 للجهة المختصة، إذا كان الشخص الذي نُفذ فيه الحكم غير سعودي، بتسليم جثمانه إلى سفارة بلاده بناءً على طلبها لترحيله على نفقة السفارة.
وترى المنظمة أن هذه النصوص تضع تجهيز الجثمان ودفنه تحت سيطرة السلطات، من دون إقرار حق واضح وتلقائي للعائلة في استعادته، فيما يبقى تسليم جثمان الأجنبي أمراً جوازياً يخضع لتقدير الجهة المختصة.
وأثارت هذه الممارسات مواقف وانتقادات أممية. ففي مارس/آذار 2022، أدانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان آنذاك ميشيل باشليت الإعدام الجماعي لـ81 شخصاً في السعودية، وشددت على أن عدم تزويد الأقارب بالمعلومات المتعلقة بظروف تنفيذ أحكام الإعدام قد يرقى إلى التعذيب وسوء المعاملة، داعية إلى إعادة الجثامين إلى عائلاتها.
كما دعا خبراء أمميون السعودية، في رسائل لاحقة خلال عامي 2023 و2024، إلى الكشف عن مصير المُعدَمين وإعادة جثامينهم إلى أسرهم، محذرين من أن سرية الإعدام ورفض تسليم الرفات يمكن أن يشكلا معاملة لاإنسانية أو مهينة.
وردت السعودية، بحسب المنظمة، بأن جثامين الذين تنفذ بحقهم أحكام الإعدام تُجهز وتُدفن وفق الأنظمة والإجراءات المعمول بها، إلا أن المنظمة قالت إن هذا الرد لا يوضح أماكن الدفن، ولا يبين ما إذا كانت العائلات قد أُبلغت بها.
وأكدت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن تنفيذ حكم الإعدام لا ينهي مسؤولية الدولة تجاه الأسرة، معتبرة أن معرفة الحقيقة واستعادة الجثمان ودفن الموتى بكرامة وإتاحة الحداد على الضحايا هي حقوق أساسية، وليست امتيازات تمنحها السلطات وفقاً لرغبتها.
