دبلوماسية الدولار.. نيويوركر تكشف دور كوشنر في صعود محمد بن سلمان
كشف تحقيق موسع نشرته مجلة نيويوركر الأمريكية، عن تفاصيل جديدة بشأن دور جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره خلال ولايته الأولى، في صعود محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد ودعمه في إزاحة منافسه محمد بن نايف من المشهد عام 2017.
وكشف التحقيق أن أن كوشنر أعطى ولي عهد السعودية “الضوء الأخضر” قبل إقصاء محمد بن نايف وكان ثمن ذلك: العمل على تغيير المجتمع السعودي والتنسيق سراً مع إسرائيل، وإقصاء الدين وتغيير المناهج في بلاد الحرمين بموازاة اعتقال العلماء وإسكات صوتهم وتقديم السعودية على أنها دولة علمانية راقصة.
وأورد التحقيق، الذي أعده الصحفي ديكستر فيلكنز، أن بن سلمان كان في مطلع عام 2017 يستعد لإقصاء ابن عمه محمد بن نايف، الذي كان يشغل منصب ولي العهد ووزير الداخلية. وفي ذلك الوقت كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية تخشى أن يؤدي الصراع بين الرجلين إلى اندلاع مواجهة داخلية، خصوصاً أن كلاً منهما كان يمتلك أنصاراً مسلحين داخل مؤسسات الدولة.
ووفق تحقيق نيويوركر، أجرى بن سلمان اتصالاً بكوشنر لمناقشة خططه، فيما جرى تسجيل المحادثة سراً. ونقلت المجلة عن مسؤول استخباراتي إقليمي سابق قوله إنه اطلع على نسخة من نص المكالمة، وإن كوشنر أبلغ بن سلمان بأن جميع الأطراف داخل الحكومة الأميركية، باستثناء أجهزة الاستخبارات، تقف إلى جانبه.
ووصف المسؤول الاستخباراتي السابق هذا الموقف بأنه كان بمثابة “الضوء الأخضر”، في إشارة إلى أن بن سلمان تلقى من كوشنر رسالة تفيد بأن البيت الأبيض مستعد لدعم صعوده، رغم التحفظات الموجودة داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية.
وبعد أشهر قليلة من تلك المحادثة، تمكن بن سلمان من إزاحة محمد بن نايف من ولاية العهد. وذكرت نيويوركر أن بن نايف احتُجز وأُجبر على توقيع بيان يتنازل بموجبه عن منصبه، ليصبح بن سلمان ولياً للعهد في خطوة فتحت أمامه الطريق نحو إحكام قبضته على السلطة السعودية.
ولم يكن دعم كوشنر لبن سلمان، بحسب التحقيق، حادثة منفصلة عن توجه أوسع داخل إدارة ترامب الجديدة. فقد كان كوشنر من أبرز الداعمين لإعادة بناء العلاقة الأميركية مع الرياض، ودفع باتجاه منح السعودية أولوية كبيرة في السياسة الخارجية الأميركية منذ الأيام الأولى لإدارة ترامب.
وأشارت نيويوركر إلى أن كوشنر عمل على ترتيب زيارة ترامب إلى الرياض في مايو 2017، في خطوة اعتبرها مسؤولون سابقون نقطة تحول في علاقة الإدارة الجديدة بالسعودية. وكان الهدف في حينه إعادة بناء العلاقة مع الرياض وتعزيز موقع الولايات المتحدة في مواجهة إيران، إلى جانب إظهار دعم الإدارة الأميركية لمحمد بن سلمان.
وجاء ذلك في وقت كانت مؤسسات أميركية عدة أكثر حذراً تجاه بن سلمان، خشية أن يؤدي الانحياز إليه على حساب محمد بن نايف إلى زعزعة الاستقرار داخل المملكة.
ونقلت نيويوركر عن مسؤول دفاع أميركي سابق أن مؤسسات مثل الخارجية والدفاع والخزانة كانت تعارض الانخراط بهذه الطريقة مع بن سلمان، وترى أن الولايات المتحدة لديها شريك قائم بالفعل هو محمد بن نايف، وأن إظهار تفضيل واضح لبن سلمان قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية.
لكن كوشنر واصل الدفع باتجاه العلاقة الجديدة، فيما كان بن سلمان يوسع نفوذه داخل مؤسسات الدولة السعودية. ومع وصول ترامب إلى الرياض، ظهرت مؤشرات متتالية على التحول الكبير في موازين السلطة داخل المملكة، قبل أن يصبح بن سلمان ولياً للعهد بعد إقصاء بن نايف.
وتعيد نيويوركر بذلك طرح العلاقة بين الرجلين باعتبارها أحد العناصر المهمة في فهم التحول الذي شهدته القيادة السعودية عام 2017. فبن سلمان كان بحاجة إلى تثبيت موقعه داخل المملكة، بينما كان كوشنر يسعى إلى بناء علاقة مباشرة مع القيادة السعودية الجديدة، بعيداً عن القنوات التقليدية للمؤسسات الأميركية.
ولا تتوقف أهمية التحقيق عند رواية “الضوء الأخضر”، إذ تشير نيويوركر إلى أن العلاقة الشخصية بين كوشنر وبن سلمان استمرت بعد انتقال الأخير إلى موقع ولي العهد، وأصبحت لاحقاً جزءاً من شبكة علاقات سياسية واقتصادية أوسع بين الطرفين.
وبحسب تحقيق نيويوركر، فإن العلاقة اكتسبت لاحقاً بعداً مالياً أيضاً، عندما حصل صندوق كوشنر الاستثماري في عام 2021 على استثمار سعودي بقيمة ملياري دولار، بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى.
وتبقى النقطة الأكثر حساسية في التحقيق هي الرواية المتعلقة بمكالمة عام 2017، لأنها تربط بصورة مباشرة بين كوشنر وخطوة بن سلمان لإقصاء محمد بن نايف اعتمادا على شهادة مسؤول استخباراتي إقليمي سابق قال إنه اطلع على نص المكالمة.
ويخلص التحقيق إلى أن صعود محمد بن سلمان لم يكن نتيجة تحرك داخلي سعودي فقط، بل تزامن أيضاً مع بناء علاقات قوية مع شخصيات نافذة في واشنطن، كان جاريد كوشنر أبرزها داخل إدارة ترامب.
وقد ساعد هذا التقارب على منح بن سلمان قناة مباشرة إلى البيت الأبيض في مرحلة حساسة من صراعه على السلطة، قبل أن ينتقل من موقع ولي ولي العهد إلى ولي العهد، ثم يصبح الشخصية الأقوى في المملكة.
