تسع سنوات على اعتقالات سبتمبر.. السعودية تواصل قمع الأصوات المستقلة
مرّت تسع سنوات على حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذتها السلطات السعودية في سبتمبر 2017، واستهدفت عشرات الدعاة ورجال الدين والمفكرين والأكاديميين والصحفيين والكتّاب والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب قضاة وموظفين حكوميين وشخصيات اقتصادية وثقافية.
وأبقت السلطات، بعد تسع سنوات، عشرات المعتقلين خلف القضبان على خلفية مواقفهم وآرائهم وأنشطتهم السلمية، بينما يواجه بعضهم مطالبات بعقوبة الإعدام، ويقضي آخرون أحكامًا طويلة، في وقت لا تزال فيه محاكمات عدد من المعتقلين مجمّدة أو تشهد مماطلات طويلة.
وتشير البيانات الحقوقية إلى بقاء 30 شخصًا على الأقل في السجن، مقابل الإفراج عن 24 شخصًا، وتسجيل ثلاث حالات وفاة بعد الإفراج. ولا تعكس هذه الأرقام نهاية آثار الحملة، إذ لا يزال معتقلون يواجهون أوضاعًا قانونية غامضة، بينما يواجه آخرون قيودًا حتى بعد خروجهم من السجن.
وشملت حملة سبتمبر 2017 طيفًا واسعًا من الشخصيات، بينهم دعاة وأساتذة جامعات وباحثون وصحفيون وكتّاب ومدونون ومدافعون عن حقوق الإنسان، إضافة إلى قضاة ومسؤولين وموظفين سابقين وحاليين في مؤسسات حكومية وشخصيات اقتصادية وثقافية.
وارتبطت بعض القضايا بممارسة حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك انتقاد الاعتقالات أو الإعلام التجاري أو خصخصة شركة أرامكو، فضلًا عن نشر تغريدات تناولت الأزمة الخليجية مع قطر. وفي المقابل، واجه المعتقلون اتهامات واسعة من بينها زعزعة أمن المملكة والإخلال بالأمن والانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين والتخابر.
ولا تزال النيابة العامة تطالب بإعدام أربعة من أبرز معتقلي الحملة، هم الداعية سلمان العودة، والإعلامي والداعية علي العمري، والباحث والمفكر الديني حسن فرحان المالكي، والأكاديمي والداعية عوض القرني.
ويواجه سلمان العودة 37 تهمة ارتبط معظمها بمواقفه السياسية وعلاقاته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين وقطر، إضافة إلى تضامنه مع معتقلين ودعوته إلى الإصلاح. ويواجه حسن فرحان المالكي 14 تهمة تعلقت بأبحاثه وآرائه الدينية والتاريخية، بينها انتقاد التطرف والمؤسسة الدينية والدعوة إلى حرية الاعتقاد.
وترتبط قضية عوض القرني بمواقفه وتعبيره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك انتقاده خصخصة شركة أرامكو، بينما يواجه علي العمري بدوره خطر تنفيذ حكم الإعدام في ظل استمرار احتجازه.
وأعرب خبراء أمميون، في نوفمبر 2019، عن قلقهم من احتمال فرض وتنفيذ أحكام الإعدام بحق العودة والمالكي والقرني والعمري، مشيرين إلى تقارير عن انتهاكات رافقت اعتقالهم ومحاكمتهم، بينها التعذيب وسوء المعاملة والحبس الانفرادي والحرمان من التواصل مع العائلات والمحامين وانتزاع اعترافات تحت التعذيب.
وخلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، في رأيين صدرا عام 2023، إلى أن احتجاز عوض القرني وسلمان العودة وشقيقه خالد كان تعسفيًا، وطالب باتخاذ إجراءات تتعلق بالإفراج والتعويض والتحقيق في الانتهاكات. ولم تنتهِ القضية عند صدور تلك الآراء، إذ استمر احتجاز عدد من الأشخاص، فيما بقيت ملفات قضائية معلقة لفترات طويلة.
وأصدرت المحاكم السعودية كذلك أحكامًا بالسجن بحق عدد من معتقلي سبتمبر، تراوحت بين ثلاث سنوات و20 سنة، فيما شهدت بعض القضايا زيادة كبيرة في مدد العقوبة خلال مراحل التقاضي.
ورُفع حكم الداعية إبراهيم الناصر من ثلاثة أشهر إلى 15 سنة، كما زيد حكم المدافع عن حقوق الإنسان عبدالعزيز العبداللطيف من خمس سنوات إلى 20 سنة، وارتفع حكم الداعية محمد الشريف من خمس سنوات إلى 13 سنة.
وحُكم على الخبير الاقتصادي عصام الزامل والداعية سالم الديني بالسجن 15 سنة، وعلى الأكاديمي والداعية يوسف الأحمد بالسجن 13 سنة، فيما صدرت أحكام بالسجن عشر سنوات بحق الداعيين نايف الصحفي وخالد المهاوش.
وأثارت مضاعفة مدد بعض الأحكام خلال مراحل التقاضي تساؤلات بشأن مسار المحاكمات، خصوصًا في القضايا التي ارتبطت بأنشطة دعوية أو بحثية أو إعلامية أو بالتعبير عن الرأي.
وتتواصل كذلك المخاوف بشأن أشخاص تجاوزوا، وفق المعلومات المتاحة، مدد الأحكام المسجلة بحقهم دون وضوح كامل بشأن الأساس القانوني لاستمرار احتجازهم. وتشمل هذه الحالات القاضي السابق يوسف القاسم، والداعية خالد العجيمي، والباحث مساعد الكثيري، والداعية إبراهيم الفارس.
ولا تتوافر معلومات كافية تحدد ما إذا كانت السلطات أصدرت أحكامًا جديدة بحق هؤلاء أو مددت احتجازهم أو استندت إلى إجراءات أخرى لإبقائهم خلف القضبان، ما يزيد الغموض بشأن أوضاعهم القانونية.
وأفرجت السلطات عن 24 شخصًا على مراحل بين ديسمبر 2017 ويوليو 2026، وكان من بين أحدث المفرج عنهم علي بادحدح في يوليو 2026، فيما سبق ذلك الإفراج عن محمد البراك وعبدالعزيز الشبيلي وعادل باناعمة وخالد العودة وإبراهيم الحارثي وغرم البيشي خلال عامي 2025 و2026.
ولم ينهِ الإفراج آثار الاعتقال بالنسبة إلى جميع المفرج عنهم، إذ يواجه بعضهم قيودًا على السفر والتعبير والعمل والتواصل الاجتماعي، إلى جانب الرقابة الأمنية وخطر إعادة الاعتقال.
وأبقت هذه الإجراءات آثار حملة سبتمبر 2017 مستمرة بعد مرور تسع سنوات، مع بقاء معتقلين في السجون، واستمرار مطالبات الإعدام، وتجميد محاكمات، وصدور أحكام طويلة، فضلًا عن استمرار الغموض بشأن الوضع القانوني لبعض المحتجزين.
وتظهر الحملة، استمرار استخدام الاعتقال والمحاكمات والعقوبات بحق شخصيات ارتبط نشاطها بالتعبير عن الرأي أو العمل الدعوي والأكاديمي والإعلامي والحقوقي، فيما لم تؤدِ الإفراجات المتدرجة إلى إنهاء الملفات المرتبطة بالحملة أو إزالة القيود المفروضة على عدد من المفرج عنهم.
