تأجيل مستحقات الشركات لسنوات يفضح تفاقم أزمة السيولة في السعودية
بدأت شركات سعودية تعمل في مشاريع وعقود مرتبطة بجهات حكومية في تلقي رسائل صادمة بشأن مستحقاتها المالية، تتحدث عن احتمال تأخر صرف بعض المدفوعات لفترات طويلة قد تصل في بعض الحالات إلى ثلاث سنوات، في تطور يفضح تفاقم أزمة السيولة في السعودية.
وكشفت مصادر مطلعة أن قضية تأجيل صرف المستحقات تشمل عدداً من الشركات والجهات المرتبطة بعقود ومشاريع مع الدولة وتأتي في وقت حساس، إذ أظهر تنظيم حكومي سعودي حديث أن تأخر الجهات الحكومية في معالجة مستحقات المقاولين والموردين والمتعهدين يمثل مشكلة تستوجب التدخل.
وينص نظام المنافسات والمشتريات الحكومية على منع الجهات الحكومية من إصدار قرارات ترسية جديدة إذا كانت عليها مستحقات مالية قائمة للمتعاقدين ولم تتخذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها.
ويعكس ذلك أن ملف المستحقات المتأخرة ليس قضية هامشية بالنسبة لقطاع الأعمال، خصوصاً بالنسبة للشركات التي تعتمد في نشاطها بصورة كبيرة على العقود الحكومية. فالشركة التي تنفذ مشروعاً عاماً تتحمل تكاليف العمالة والمواد والمعدات والتمويل، بينما قد يؤدي تأخر الدفعات إلى استنزاف سيولتها وتعريضها لصعوبات مالية متزايدة.
وتتزامن هذه المعلومات مع مؤشرات أخرى تعكس الضغوط التي يواجهها قطاع الأعمال السعودي. فقد أظهرت بيانات جرى تداولها استناداً إلى إعلانات لجنة الإفلاس الحكومية “إيسار” أن شهر أغسطس/آب 2026 شهد تسجيل 70 شركة سعودية في حالات إفلاس أو إجراءات مرتبطة بالإفلاس، ليرتفع العدد المتداول للشركات التي دخلت هذه الإجراءات منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس إلى 489 شركة.
وقد سجل يناير/كانون الثاني 72 حالة، وفبراير 48، ومارس 55، وأبريل 55، ومايو 63، ويونيو 64، ويوليو 62، قبل تسجيل 70 حالة في أغسطس، وهو ما يشير إلى استمرار الضغوط على عدد كبير من الشركات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
لكن لجنة الإفلاس السعودية شددت على ضرورة عدم الخلط بين افتتاح إجراءات الإفلاس والإفلاس النهائي أو تصفية الشركات. وأوضحت “إيسار” أن إجراءات الإفلاس تشمل التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي والتصفية والتصفية الإدارية، وأن بدء الإجراءات لا يعني بالضرورة خروج المنشأة من السوق أو توقف نشاطها.
ورغم ذلك، يبقى ارتفاع اللجوء إلى إجراءات معالجة التعثر مؤشراً على وجود شركات تواجه مشكلات مالية تستدعي تدخلات قانونية وإدارية لإعادة تنظيم أوضاعها.
وتكتسب مسألة تأخر المستحقات أهمية مضاعفة في هذا السياق، إذ إن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تمتلك عادة الاحتياطيات المالية نفسها التي تتمتع بها المؤسسات الكبرى. وقد يؤدي تأخر مستحقات مشروع واحد إلى اضطراب قدرتها على دفع أجور الموظفين والموردين وأقساط التمويل.
ويدفع تأجيل بعض المستحقات لفترات تصل إلى ثلاث سنوات، بوضع عدداً من الشركات أمام أزمة سيولة حقيقية، خصوصاً إذا كانت قد نفذت المشاريع بالفعل وتحملت تكاليفها على أساس توقع الحصول على الدفعات خلال فترات زمنية أقصر.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار السعودية في تنفيذ برنامج “رؤية 2030″، الذي يعتمد على إنفاق ضخم ومشاريع عملاقة تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط.
لكن حجم المشاريع والطموحات المالية الضخمة فرض في السنوات الأخيرة ضغوطاً متزايدة على الموارد والإنفاق، وأثار تساؤلات حول قدرة الدولة على تنفيذ جميع الخطط وفق الجداول الزمنية المعلنة.
وتشير التطورات إلى اتجاه متزايد نحو إعادة ترتيب الأولويات والتركيز على المشاريع ذات العائد الأعلى، في وقت تواجه فيه المملكة استحقاقات مالية ضخمة مرتبطة بالمشاريع العملاقة والبنية التحتية والاستثمارات الجديدة.
وفي مؤشر آخر على القلق الرسمي من أوضاع الشركات، وقعت لجنة الإفلاس وغرف التجارة السعودية في أغسطس/آب 2026 مذكرة تفاهم لتعزيز ما يسمى بـ”الإنذار المبكر” لمساعدة شركات القطاع الخاص على اكتشاف مؤشرات التعثر المالي قبل تفاقمها.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كانت الشركات السعودية تواجه بالفعل مرحلة تتطلب إجراءات وقائية واسعة، خصوصاً في ظل اعتماد قطاع كبير منها على الإنفاق الحكومي والمشاريع المرتبطة بالدولة والصندوق السيادي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاقتصاد السعودي يتجه نحو الانهيار، إذ لا تزال المملكة تمتلك موارد مالية كبيرة وتواصل الاستثمار في قطاعات متعددة. إلا أن المؤشرات المتعلقة بتعثر الشركات، إلى جانب المعلومات المتداولة عن تأخير المستحقات، تكشف وجهاً مختلفاً عن الصورة الاحتفالية التي ترافق الإعلان عن المشاريع العملاقة.
وبينما تواصل الرياض الحديث عن مدن مستقبلية واستثمارات بمئات المليارات، تواجه شركات محلية تحديات تتعلق بالتدفقات النقدية والتمويل واستمرار الأعمال فيما تتواصل حالة التخبط الحكومية في إدارة الشأن الاقتصادي رغم كل ما تم إطلاقه من عود وأوهام رسمية.
