لماذا اتفاق مكة مجرد “قفزة رمزية” لمحمد بن سلمان؟
لم يمض وقت طويل على توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك” حتى بدأ التساؤل حول قيمته الفعلية، وما إذا كان يمثل بالفعل تحولاً استراتيجياً في السياسة الدفاعية للمملكة، أم أنه مجرد قفزة رمزية وحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاتفاقيات العسكرية التي حظيت بترويج إعلامي وأنتهى أثرها العملي بمجرد انتهاء مراسم التوقيع.
ورغم الاحتفاء الرسمي بالاتفاقية باعتبارها خطوة لتعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، بدا التفاعل داخل السعودية محدوداً، واقتصر في معظمه على وسائل الإعلام الرسمية والمنصات المؤيدة للحكومة، من دون أن يرافقه نقاش شعبي واسع أو اهتمام مجتمعي يعكس أهمية الحدث كما قدمته المؤسسات الرسمية.
وفي خضم هذا المشهد، برز بيان لحزب التجمع الوطني المعارض، حمل انتقاداً مباشراً للاتفاقية، معتبراً أنها لا تعدو كونها “قفزة رمزية فارغة من أي محتوى استراتيجي حقيقي”، ولا تمثل إضافة فعلية لأمن المملكة أو مصالح شعبها.
وأشار الحزب إلى أن المملكة شهدت خلال العقود الماضية توقيع اتفاقيات وتحالفات دفاعية عديدة، لكنها لم تنعكس بتطور نوعي على أمن المواطن أو استقرار البلاد، معتبراً أن تكرار الإعلان عن اتفاقيات جديدة لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج مختلفة، ما لم تقترن بسياسات داخلية تعزز الشفافية والمساءلة والمشاركة الشعبية.
وأكد البيان أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر التحالفات العسكرية وحدها، وإنما يبدأ من الداخل، بإشراك المجتمع في صناعة القرار، وتفعيل مؤسسات الدولة، وحماية الحقوق والحريات.
وشدد على أن “أعظم اتفاقية دفاعية” هي تلك التي تعقد مع الشعب أولاً، عبر وقف القمع، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وإشراكه في رسم السياسات الاستراتيجية التي تمس أمنه ومستقبله.
كما انتقد حزب التجمع طبيعة اتخاذ القرار السياسي في المملكة، كون أن غياب الرقابة الشعبية وحرية الصحافة والشفافية يجعل أي اتفاقية دفاعية عرضة لأن تتحول إلى أداة تخدم السلطة أكثر من خدمة المصلحة العامة، في ظل ما وصفه بسيطرة القرار الفردي على الملفات الكبرى.
ولا تأتي اتفاقية مكة في فراغ، بل تندرج ضمن سلسلة من التحالفات والترتيبات الدفاعية التي حاول محمد بن سلمان تسويقها منذ سنوات.
ففي سبتمبر/أيلول 2025 وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، التي مثلت أول إطار دفاعي ثنائي من هذا النوع بين البلدين، قبل أن توسع السعودية في فبراير/شباط 2026 شبكة تعاونها العسكري بتوقيع اتفاقية تعاون دفاعي مع الصومال، ضمن تحركاتها لتعزيز حضورها الأمني في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ثم جاءت اتفاقية مكة في أغسطس/آب 2026 لتضيف تركيا إلى هذا المسار، عبر إنشاء تحالف دفاعي ثلاثي قالت الدول الثلاث إنه يهدف إلى تعزيز الردع والتنسيق العسكري، مع التأكيد على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد أي دولة بعينها، وأن الباب سيبقى مفتوحاً أمام انضمام أطراف أخرى مستقبلاً.
وبالتوازي مع ذلك، واصلت السعودية توسيع شبكة تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، الشريك الأمني الأكبر للمملكة منذ عقود، كما وقعت اتفاقيات تعاون دفاعي وصناعات عسكرية مع فرنسا وعدد من الدول الغربية والآسيوية، في إطار سياسة تنويع مصادر التسليح وتوسيع الشراكات الأمنية.
غير أن هذا التوسع في الاتفاقيات يثير تساؤلاً يتكرر مع كل إعلان جديد: ما الذي أضافته هذه التحالفات عملياً إلى الأمن السعودي؟ وكيف يتم ترجمته عمليا في ظل إنفاق مالي ضخم وفضائح فساد في صفقات عسكرية ضخمة بدون طائل؟.
فالمملكة، رغم شبكة واسعة من الشراكات العسكرية والتعاون الدفاعي، تعرضت ولا تزال منذ سنوات لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، وواجهت تحديات أمنية متكررة فرضتها البيئة الإقليمية المضطربة.
وهنا يتساءل ناشطون عن التمييز بين القيمة السياسية والرمزية لهذه الاتفاقيات التي يروج لها محمد بن سلمان وفريقه، وبين قدرتها الفعلية على إحداث تحول في معادلات الردع والأمن للمملكة.
وهنا تبرز حقيقة أن اتفاق مكة لم تقدم حتى الآن مؤشرات عملية تميزها عن اتفاقيات سبقتها، سواء من حيث آليات التنفيذ أو الالتزامات العسكرية أو النتائج الملموسة.
