بحث في المقالات

فضائح السعودية

من شينجيانغ إلى الرياض.. كيف تستنسخ السعودية التجربة الصينية في مراقبة المواطنين

بواسطة سعودي ليكس 12 سبتمبر، 2026 التعليقات: 0
من شينجيانغ إلى الرياض.. كيف تستنسخ السعودية التجربة الصينية في مراقبة المواطنين

تتجه السلطات السعودية بصورة متزايدة إلى توسيع منظومتها الرقمية لجمع البيانات وإدارة الخدمات ومراقبة النشاط الإلكتروني، في نموذج يثير مخاوف حقوقية بشأن الخصوصية واستخدام التكنولوجيا في مراقبة المواطنين والتضييق على المعارضين.

وبينما اشتهرت الصين باستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات البيومترية لمراقبة الأويغور في شينجيانغ، تعتمد الرياض منظومة مختلفة تقوم على التطبيقات الحكومية، والبلاغات الإلكترونية، والهوية الرقمية، والبيانات الجغرافية والبيومترية.

واستخدمت السلطات الصينية في شينجيانغ منصة “IJOP” لدمج كميات هائلة من المعلومات عن السكان، وربطها بأرقام هوياتهم، بما في ذلك بيانات شخصية وبيومترية ونشاطات اعتبرتها السلطات “مشبوهة”.

ووثقت هيومن رايتس ووتش جمع السلطات الصينية عينات الحمض النووي وبصمات الأصابع وقزحية العين وفصائل الدم من السكان بين 12 و65 عاماً، إضافة إلى إدخال هذه البيانات في قواعد مركزية قابلة للبحث.

وقدّرت المنظمة أن ما يصل إلى مليون شخص كانوا محتجزين في منشآت “التعليم السياسي” خلال ذروة حملة القمع.

ولا تستنسخ السعودية نظام IJOP حرفياً، لكن المخاوف الحقوقية تتركز في الطريقة التي تتوزع بها أدوات جمع البيانات والمراقبة على مجموعة واسعة من التطبيقات والخدمات.

ويبرز تطبيق “كلنا أمن” في هذا السياق، إذ تتيح المنصة للمواطنين والمقيمين إرسال بلاغات إلى السلطات عبر الصور والفيديو والتسجيلات الصوتية، وتصفها الجهات الرسمية بأنها وسيلة لتحويل المستخدم إلى “رجل أمن”.

ويتجاوز التطبيق مليون عملية تنزيل، وفق متجر غوغل، بينما وثقت هيومن رايتس ووتش استخدامه في سياق مراقبة النشاط الإلكتروني والإبلاغ عن منتقدين للحكومة.

وقد ارتبط اسم “كلنا أمن” بقضية الناشطة السعودية سلمى الشهاب، طالبة الدكتوراه في جامعة ليدز، التي اعتُقلت بعد نشاطها على تويتر وحُكم عليها في 2022 بالسجن 34 عاماً، قبل أن تُخفف العقوبة لاحقاً.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن تغريداتها أُبلغ عنها للسلطات عبر التطبيق، فيما وثقت منظمة العفو الدولية أن محاكمتها افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة.

وتكشف قضية نورة القحطاني جانباً آخر من هذا النمط؛ فقد حُكم عليها في 2022 بالسجن 45 عاماً بسبب نشاطها على تويتر، قبل أن يعاد النظر في قضيتها ويصدر بحقها حكم بالسجن 35 عاماً ومنع من السفر 35 عاماً. واعتبرت منظمات حقوقية قضيتها مثالاً على استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية لمعاقبة التعبير السلمي.

ويمتد الجدل إلى تطبيق “أبشر”، الذي يوفر خدمات حكومية واسعة، لكنه استخدم أيضاً ضمن نظام الولاية الذكورية الذي مكّن الأوصياء الرجال، وفق توثيق هيومن رايتس ووتش، من منح أو رفض تصاريح سفر النساء والأطفال، إضافة إلى الاطلاع على سجل رحلات التابعين لهم.

ورغم الإصلاحات القانونية التي أُدخلت لاحقاً على نظام السفر، ظل التطبيق لسنوات أداة رقمية مرتبطة بقيود الولاية، ما دفع المنظمة إلى وصفه بأنه وسيلة تقنية لنظام تمييزي.

وتزداد أهمية “توكلنا” مع تحوله من تطبيق لمتابعة جائحة كورونا إلى منصة رقمية ضخمة. فقد أعلنت السلطات السعودية أن التطبيق تجاوز 31 مليون مستخدم وأصبح يقدم أكثر من 241 خدمة حكومية، تشمل قطاعات متعددة، بينما تجاوز عدد الخدمات لاحقاً 315 خدمة. ويعني هذا التوسع أن المنصة أصبحت جزءاً مركزياً من العلاقة الرقمية بين المواطن والمؤسسات الحكومية.

وتفتح هذه المنظومة سؤالاً أوسع حول انتقال السعودية من جمع البيانات الرقمية إلى البيانات البيومترية. فقد أعلنت شركة “Link Palm” عن خطط لتوطين تصنيع ونشر أجهزة الدفع باستخدام بصمة راحة اليد في المملكة، مع استهداف نشر ما يصل إلى مليون جهاز.

ولا يعني استخدام التقنية في المدفوعات بحد ذاته وجود مراقبة حكومية، لكنه يضيف طبقة جديدة من البيانات البيومترية إلى البيئة الرقمية السعودية، وهي بيانات لا يمكن للمستخدم تغييرها مثل كلمة المرور في حال تسريبها أو إساءة استخدامها.

وتبرز شركة “SenseTime” الصينية في هذا المشهد باعتبارها شريكاً تقنياً مهماً. فقد أعلنت الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، استثمار 776 مليون ريال، أي نحو 207 ملايين دولار، في مشروع مشترك مع الشركة الصينية عام 2022 لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك حلول المدن الذكية والرؤية الحاسوبية.

وتكتسب الشراكة حساسية إضافية لأن SenseTime كانت من الشركات الصينية التي فرضت عليها الولايات المتحدة قيوداً بسبب دورها في تطوير تقنيات المراقبة المستخدمة في شينجيانغ.

وتتوسع منظومة البيانات أيضاً في مجال الخرائط. ووصل تطبيق “هدهد” السعودي للخرائط إلى مليون مستخدم خلال أسابيع من إطلاقه، مع اعتماده على تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتصوير والبيانات الجغرافية المحلية.

ولا يوجد دليل يثبت أن التطبيق أداة تجسس، لكن اتساع منصات الخرائط المحلية يضيف كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالمواقع والحركة إلى الاقتصاد الرقمي المحلي.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من سجل حقوق الإنسان في السعودية، حيث وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية لقمع التعبير السلمي، إلى جانب الاعتقالات التعسفية والمحاكمات التي تفتقر إلى ضمانات العدالة.

كما وثقت المنظمة استمرار احتجاز منتقدين ونشطاء وفرض قيود على من أُفرج عنهم، بما في ذلك منع السفر والمراقبة.

وسجلت منظمة العفو الدولية بدورها استمرار القيود الشديدة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وأشارت إلى أحكام سجن طويلة ومحاكمات جائرة وقيود على السفر، فضلاً عن تسجيل السعودية أعلى عدد من عمليات الإعدام في تاريخها خلال عام 2025 وفق تقييمها الحقوقي.

ولا يعني ذلك وجود تطبيق سعودي واحد يطابق “IJOP” الصيني أو أن كل منصة رقمية في المملكة صُممت للمراقبة. لكن الخطر الذي تحذر منه المنظمات الحقوقية يكمن في تراكم البيانات عبر منظومة واسعة: البلاغات الإلكترونية، والهوية الرقمية، والخدمات الحكومية، والخرائط، والبيانات البيومترية، والنشاط على وسائل التواصل.

وعندما تتوزع معلومات الفرد على عشرة أبواب رقمية مختلفة، يصبح من الصعب رؤية المنظومة كاملة. وهنا يتحول السؤال من “ما الذي يعرفه كل تطبيق؟” إلى سؤال أكثر خطورة: من يستطيع جمع كل هذه الأجزاء معاً، وما الضمانات التي تمنع استخدامها ضد المواطنين والمعارضين؟.

شارك هذا المقال على: