بين عجز الموازنة ومليارات الرعاية.. أولويات الإنفاق في عهد محمد بن سلمان تحت المجهر
أثار التوسع الكبير لأرامكو في إبرام عقود الرعاية للأحداث الرياضية العالمية موجة متجددة من الانتقادات، بعد أن تحولت الشركة من عملاق للطاقة إلى إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للمملكة في إطار استراتيجية محمد بن سلمان لتبييض صورة المملكة عبر عقود بالمليارات.
وقد وسعت أرامكو خلال السنوات الأخيرة حضورها في الرياضة العالمية عبر سلسلة من صفقات الرعاية التي شملت بطولات كبرى واتحادات رياضية دولية، في مسار يندرج ضمن استراتيجية سعودية أوسع للاستثمار في الرياضة، وسط اتهامات متكررة باستخدام هذه الاستثمارات فيما يعرف بـ”الغسيل الرياضي”.
وبدأت أرامكو دخولها الرسمي إلى قطاع الرياضة العالمية عام 2020 عندما أصبحت الشريك الرسمي للطاقة لبطولة فورمولا 1، قبل أن توسع استثماراتها في عام 2022 عبر شراكة مع فريق أستون مارتن في البطولة نفسها، إلى جانب رعاية دوري كرة السلة الصيني، في خطوة استهدفت تعزيز حضورها داخل السوق الصينية.
وشهد عام 2024 أكبر توسع للشركة عندما وقعت اتفاقية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لتصبح الشريك العالمي الحصري لقطاع الطاقة، في صفقة قدرت تقارير إعلامية قيمتها بما يتراوح بين 100 و400 مليون دولار، وتشمل كأس العالم 2026 للرجال وكأس العالم 2027 للسيدات.
وأثارت هذه الشراكة اعتراضات واسعة، إذ وقعت أكثر من 106 لاعبات دوليات من 27 دولة رسالة مفتوحة طالبت الفيفا بإلغاء الاتفاقية، معتبرات أن ربط البطولة بشركة نفطية يتعارض مع الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ.
كما واجهت أرامكو انتقادات من خبراء وآليات أممية، إذ سبق أن أشارت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة وعدد من المقررين الخاصين إلى ما وصفوه بالآثار السلبية المرتبطة بأنشطة الشركة على حقوق الإنسان نتيجة تداعيات التغير المناخي، وهو ما استند إليه منتقدو الصفقة للمطالبة بمراجعتها.
وتوسعت الاستثمارات السعودية لتشمل رعاية المجلس الدولي للكريكيت، وكأس العالم للرياضات الإلكترونية، إضافة إلى دوري “LIV Golf” الذي أطلقه صندوق الاستثمارات العامة السعودي عام 2021 لمنافسة جولة الغولف الأمريكية التقليدية.
وترى تحليلات غربية أن هذه الاستثمارات لا تستهدف فقط تحسين الصورة العامة للسعودية، وإنما ترسيخ حضور صناعة النفط في الوعي العالمي خلال مرحلة يشهد فيها العالم تحولاً متزايداً نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، اعتبر تحليل نشره موقع Boardroom Ball أن استراتيجية أرامكو تتجاوز معالجة الانتقادات الآنية، وتهدف إلى ترسيخ فكرة استمرار أهمية النفط لعقود مقبلة من خلال الارتباط بأكبر الفعاليات الرياضية العالمية.
وجاء إعلان السعودية استضافة كأس العالم لكرة القدم 2034 بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقية الرعاية مع الفيفا، الأمر الذي دفع بعض المنتقدين إلى الربط بين توسع الرعاية السعودية والنجاح في الحصول على حق تنظيم البطولة، بينما أشارت تقارير إعلامية إلى جدل رافق آلية إعلان الاستضافة.
كما أعادت منظمات حقوقية تسليط الضوء على أوضاع العمال المرتبطين بالمشروعات الرياضية السعودية، بعد وفاة عامل باكستاني في مارس 2025 أثناء العمل في إنشاء ملعب أرامكو بمدينة الخبر، حيث ربطت منظمة FairSquare الحقوقية الحادثة بظروف العمال في مشروعات البنية التحتية الخاصة بكأس العالم.
وفي المقابل، رفضت الحكومة السعودية الاتهامات المتعلقة بما يعرف بـ”الغسيل الرياضي”، إذ وصف وزير الرياضة عبد العزيز بن تركي الفيصل هذه الاتهامات بأنها “سطحية”، زاعماً أن كثيراً من منتقدي المملكة لم يطلعوا على ما تشهده من مشاريع وتغيرات داخلية.
ولم تتوقف الانتقادات عند الجانب الحقوقي، بل امتدت إلى الملف البيئي، إذ أثارت موجات الحرارة الشديدة التي شهدتها بطولة كأس العالم للأندية 2025 سخرية بعض المتابعين بسبب ظهور شعارات أرامكو المتعلقة بالاستدامة داخل الملاعب، في وقت يحمّل فيه ناشطون شركات الوقود الأحفوري مسؤولية رئيسية عن تفاقم أزمة المناخ.
كما نظمت منظمة Sierra Club الأمريكية احتجاجات أمام عدد من ملاعب البطولة في مدن أمريكية، رفعت خلالها شعارات تطالب بوقف ما وصفته بـ”الغسيل الرياضي للوقود الأحفوري”، في واحدة من أبرز الحملات الميدانية ضد الرعاية السعودية للرياضة.
وتشير تقديرات إلى أن القيمة التراكمية لعقود الرعاية التي أعلنتها أرامكو داخل القطاع الرياضي وخارجه تتراوح بين 11.5 و12 مليار دولار، في وقت تواجه فيه السعودية تحديات مالية متزايدة.
وتزامنت هذه الاستثمارات مع إعلان الحكومة السعودية تسجيل عجز في موازنة عام 2026 بلغ نحو 44 مليار دولار، فيما أظهرت البيانات الرسمية تمويل احتياجات الربع الأول بالكامل عبر الاقتراض من أسواق الدين، وهو ما دفع منتقدين إلى التساؤل بشأن أولويات الإنفاق في ظل التوسع في برامج الرعاية الدولية.
وكان أظهر تقرير نشر عام 2023 أن المملكة ترتبط بنحو 312 اتفاقية رعاية موزعة على 21 رياضة مختلفة حول العالم، في مؤشر على أن الاستثمار الرياضي أصبح جزءاً رئيسياً من استراتيجية القوة الناعمة التي تنتهجها الرياض.
