هكذا قاد محمد بن سلمان هندسة التفقير في السعودية
تحول المشهد الاقتصادي والاجتماعي في السعودية في زمن ولي العهد محمد بن سلمان من نموذج دولة الرعاية التي تكفل الحقوق إلى نموذج دولة الجباية التي تستنزف الموارد عبر الضرائب، في تحول يعد نقضاً للعقد الاجتماعي التقليدي وتحويلاً للمواطن من صاحب حق إلى مستهلك، بما يؤدي إلى تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية.
وتبرز في هذا السياق، استراتيجية التخفي المالي للنخبة باعتبارها أداة لحماية النفوذ بعيداً عن المساءلة، بما يفرغ خطاب التقشف من مصداقيته.
إذ أن آلية للخروج من القوائم المالية، تدفع من خلالها النخبة مبلغاً سنوياً قدره ثلاثمائة ألف دولار للمجلات العالمية مقابل حذف أسمائها، لتتحول تلك المنصات، إلى شركاء في التعتيم.
ويؤدي هذا التعتيم إلى خلق فجوة معرفية تمنع المواطن من إدراك حجم النهب المنظم للموارد الوطنية، وتحول المعلومات من حق مجتمعي إلى سلعة، فيما يُستخدم القانون، كدرع لحماية السيادة الشخصية للنخبة بدلاً من أن يكون أداة لكشف الحقيقة أمام الجمهور.
بموازاة ذلك فإن غياب المعلومات والمحاسبة يحمي النخبة من الضغوط الشعبية المطالبة بالعدالة، ويمهد لاستخدام الضغط الأمني لضبط مجتمع منهك مالياً عبر ما تصفه بسياسة تجويع اقتصادي مدروس، تهدف إلى إشغال الفرد بتأمين بقائه اليومي على حساب كرامته الإنسانية.
وتنتقل هذه السياسة، إلى تحويل لقمة العيش من حق طبيعي إلى أداة ضبط أمني، عبر إبقاء المجتمع منشغلاً بقوت يومه بما يؤدي إلى تحييده سياسياً.
ويوصف هذا النهج باستراتيجية “الفقر المقنن”، التي تحول الضيق المعيشي إلى حاجز أمام الطموح السياسي ونقد الحاكم، في وقت تخشى فيه السلطة من وصول الاحتقان الاجتماعي إلى مستوى الانفجار.
وترصد التقارير الأمنية “درجة الغليان” الاجتماعي لتحديد سقف الكفاية المالية المسموح به، بما يمنع أي حراك، فيما تبرز ذهنية “طائرة الهروب” لدى المسؤولين الذين يؤمنون ميزانيات هروبهم ويقدمونها على رغيف الخبز للمواطن المنهك.
في المقابل يتولى الذباب الإلكتروني محاولة صناعة حالة من الرضا الافتراضي وتشويش الإحباط الواقعي، وتصوير المطالبة بالحقوق باعتبارها خيانة.
وقد تحولت الوزارات الخدمية في السعودية إلى مراكز جباية متطورة تهدف إلى دعم النظام الأمني وتمويل مغامراته بدلاً من رعاية المواطنين، بما يعكس عقلية الربح والجشع التي تسيطر على مفاصل الدولة.
وجعل هذا التحول المملكة أقرب إلى شركة جباية عملاقة تضحي بالاستقرار الاجتماعي والوطني مقابل تضخم خزائن النخبة، التي باتت تنظر إلى المواطن باعتباره مستهلكاً مستنزفاً.
ويلاحظ بهذا الصدد انتقاض العقد الاجتماعي عبر تحويل المواطن من صاحب حق إلى زبون مثقل بالرسوم، مع تسارع تسليع الخدمات السيادية، مثل القضاء وفريضة الحج، وبيع ماء زمزم وفرض ضريبة بنسبة 15% رغم الوفرة النفطية وإنتاج 11 مليون برميل يومياً، بما يرهق الطبقة الوسطى.
في الوقت ذاته يظهر التناقض بين خطاب التقشف والإنفاق الملياري على قطاعات الترفيه والرياضة لتجميل صورة النظام دولياً بدلاً من تحسين قطاع الصحة.
وتشمل سياسة تجفيف منابع الاستقلال المادي للمواطن منع المزرعة الصغيرة وتركيب عدادات المياه الجوفية تحت ذرائع بيئية، بهدف كسر روح الاستقلال وجعل الفرد مستهلكاً لمنتجات شركات النخبة المهيمنة.
ويرى المواطن ثروته تُبذر في الخارج بينما يُحرم من أبسط حقوقه، في واقع أدى إلى نشوء اقتصاد يفتقر إلى الجذور الإنتاجية وترتبط فيه التبعية المالية والوظيفية بالولاء السياسي.
كما يتسم النظام الاقتصادي بالأحادية وافتقار الصناعة والإنتاج، مع التركيز على خدمات موسمية هامشية، فيما تتحول الوظيفة إلى أداة تدجين سياسي عبر التهديد بقطع الراتب لضمان الولاء.
وبينما تتسع الفجوة الطبقية بين رواتب النخبة الفلكية والكفاءات الوطنية التي تضطر إلى بيع “شاي الجمر” على الطرقات نتيجة سياسة إغناء الموالين، تستخدم السلطة استراتيجية “ضرب البردعة وترك الحمار” لتوجيه الغضب الشعبي نحو العمالة الوافدة بدلاً من القرارات السيادية المليارية الفاشلة، إلى جانب استهداف السيولة النقدية بما يعطل المهن الحرة ويمنع الاستقلال المادي للمواطن ويدفعه نحو التبعية الرسمية.
وتبرز في هذا الإطار، تناقضات بين الهدر الخارجي الملياري في حرب اليمن وصفقات كوشنر والودائع الدولية وبين الحرمان الداخلي.
إذ أن المواطن يُعامل باعتباره “ذهباً أشهب” ومورداً بديلاً للنفط، مع استنزاف بيت مال المسلمين لتمويل الفتن الخارجية وشراء الولاءات الدولية لحماية كراسي الحكم بدلاً من استثمار الثروة في التنمية بما يجعل الفقر في “بلاد التريليونات” عبارة عن “قرار سياسي” يهدف إلى إبقاء المجتمع تحت ضغط البقاء، بما يؤدي إلى تآكل الشرعية الأخلاقية للنظام.
ويحذر مراقبون من أن استمرار تبذير الثروة في مشاريع الظاهرة، مقابل تراجع الخدمات وإهمالها، يعكس مقامرة بمقدرات الأجيال، محذرة من أن الفقر لا يمكن أن يبقى أداة للحكم إلى الأبد أمام مجتمع يدرك حقيقة ما تصفه بالنهب المنظم للموارد.
