بحث في المقالات

فضائح السعودية

القمار الإلكتروني في السعودية.. تحريم رسمي وتمويل بلا حدود

بواسطة سعودي ليكس 26 أغسطس، 2026 التعليقات: 0
القمار الإلكتروني في السعودية.. تحريم رسمي وتمويل بلا حدود

رغم الحظر الرسمي الصارم على القمار في السعودية، تكشف بيانات مالية ورقمية حديثة عن واقع مختلف تماماً، يتمثل في تدفقات منتظمة للأموال من داخل المملكة نحو منصات القمار الإلكتروني العالمية.

وبينما تؤكد القوانين والخطاب الرسمي تحريم القمار وتجريمه، يبدو أن سوقاً رقمية واسعة آخذة في النمو بعيداً عن الأضواء، مستفيدة من التحويلات المالية والمحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة وشبكات الإنترنت الخاصة.

وتفتح هذه البيانات الباب أمام تساؤل أكبر: إذا كان القمار محظوراً رسمياً، فكيف أصبح السوق السعودي واحداً من الأسواق النامية بالنسبة لمنصات المقامرة الإلكترونية؟

وتكشف بيانات منصة «بلاسك» (Blask)، المتخصصة في رصد وتحليل أسواق المقامرة الإلكترونية، عن ارتفاع كبير في عدد المستخدمين السعوديين لمنصات القمار منذ وصول محمد بن سلمان إلى السلطة.

واللافت أن سوقاً لم يكن موجوداً بهذا الحجم قبل سنوات، أصبح اليوم من الأسواق النامية بالنسبة لعدد من العلامات التجارية العالمية العاملة في مجال الكازينو والمراهنات الإلكترونية.

ولا يتعلق الأمر بحالات فردية أو نشاط محدود يجري في الظل فقط. فبحسب البيانات، تُسجّل شهرياً أكثر من ربع مليون عملية من داخل السعودية مرتبطة بمنصات القمار الإلكتروني.

وتشمل هذه العمليات تنفيذ ألعاب القمار، وتحويل الأموال، واستقبالها، إلى جانب تسجيل عضويات جديدة.

بمعنى آخر، نحن أمام تدفق مالي ورقمي يومي ومنتظم، وليس أمام نشاط هامشي عابر.

ماذا يلعب السعوديون؟

تظهر البيانات أن المستخدمين السعوديين يركزون على ألعاب محددة، أبرزها البلاك جاك والروليت والبكارا والكازينو المباشر وألعاب الورق.

وهذه الاختيارات لا تشبه نمط المراهنات الرياضية العابرة، بل تعكس توجهاً نحو تجربة أقرب إلى كازينوهات لاس فيغاس الافتراضية.

أي أن الجمهور لا يبحث فقط عن رهان محدود، بل عن تجربة كازينو إلكترونية متكاملة.

من الحساب البنكي إلى العملات المشفرة

تبدأ الرحلة، وفق المسار الذي يكشفه انتشار أدوات الدفع الرقمية، بتحويل مالي عادي من الحساب البنكي للمستخدم إلى محفظة إلكترونية أو منصة مالية عالمية.

ومن بين المنصات والمحافظ التي يمكن استخدامها في هذه العمليات: Skrill وNeteller وecoPayz وMuchBetter وJeton، إلى جانب منصات تداول العملات المشفرة مثل Binance وOKX وBybit.

وبما أن هذه الخدمات لا تُعامل بالضرورة، في مرحلة التحويل الأولى، باعتبارها منصات قمار، فإن عملية نقل الأموال إليها يمكن أن تبدو كأي تحويل مالي عادي.

لكن المرحلة التالية هي الأكثر أهمية. إذ يستطيع المستخدم من داخل هذه المنصات تحويل رصيده إلى عملات مشفرة، مثل بيتكوين وإيثيريوم وUSDT وغيرها.

وهنا يغادر المال النظام المصرفي التقليدي ويدخل إلى شبكات العملات المشفرة، قبل أن يجد طريقه إلى منصات المقامرة.

الوجهة الأخيرة: طاولة القمار

باستخدام العملات المشفرة، وبالاستعانة بشبكات VPN لإخفاء الموقع الجغرافي، يمكن للمستخدم الوصول إلى مواقع قمار مرخصة في ولايات قضائية مثل مالطا وكوراساو وبريطانيا.

وهكذا تكتمل رحلة الأموال: من حساب مصرفي داخل السعودية، إلى محفظة إلكترونية أو منصة تداول، ثم إلى عملة مشفرة، وصولاً في النهاية إلى طاولة روليت افتراضية.

والنتيجة أن الحظر القانوني لا يبدو، في حد ذاته، كافياً لمنع تشكل هذا المسار المالي والتقني.

علامات عالمية تتنافس على السوق السعودي

يكشف تحليل قائم على بيانات «بلاسك» أن عشرات العلامات التجارية العالمية العاملة في المراهنات والكازينو تتنافس فعلياً على حصة من السوق السعودي.

وبحسب البيانات، حققت بعض هذه العلامات نمواً سنوياً تجاوز 200 في المئة خلال عام واحد فقط.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: سوق يُفترض رسمياً أنه غير موجود، لكن الأرقام تشير إلى أنه يتحول إلى واحد من الأسواق النامية بالنسبة لمنصات القمار الإلكتروني.

من هم المقامرون؟

تشير البيانات إلى أن نحو 60 في المئة من المستخدمين تقل أعمارهم عن 35 عاماً.

أما من حيث الدخل، فإن نحو 40 في المئة منهم يتراوح دخلهم الشهري بين 50 و100 آلاف ريال، بينما ينتمي نحو 20 في المئة إلى شريحة دخل تتراوح بين 100 و150 ألف ريال.

وعلى مستوى التعليم، فإن نحو 40 في المئة من المستخدمين حاصلون على تعليم جامعي، فيما يحمل نحو 10 في المئة مؤهلات دراسات عليا.

وهذا يعني أن الظاهرة، وفق هذه البيانات، لا تقتصر على فئة اجتماعية هامشية، بل تمتد إلى شرائح من الشباب والطبقة المنتجة والمتعلمة.

مليارات للألعاب.. وصمت عن القمار

في المقابل، تستهدف السعودية رسمياً تحقيق 50 مليار ريال من قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية ضمن رؤية 2030، مع استثمارات تتجاوز 38 مليار دولار وبرعاية حكومية معلنة.

لكن الحدود بين صناعة الألعاب وبعض آليات المقامرة الرقمية أصبحت، في السنوات الأخيرة، موضع جدل عالمي متزايد.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: هل يمكن التعامل مع قطاع الألعاب بوصفه منفصلاً تماماً عن الآليات التي تشبه المقامرة أو قد تسهم في نشر ثقافتها؟

حين تصبح الدولة مالكة لآلية صُنفت قماراً

تزداد هذه المفارقة حدة مع ملكية صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بحسب المعطيات الواردة، لنسبة 93.4 في المئة من شركة EA، صاحبة لعبة FIFA/EA Sports FC، بعد صفقة استحواذ قُدرت بنحو 55 مليار دولار.

وتتضمن اللعبة نظام «حزم اللاعبين العشوائية» Ultimate Team، حيث يدفع المستخدم أموالاً حقيقية للحصول على محتوى عشوائي.

وهذه الآلية كانت قد صُنفت رسمياً في بلجيكا منذ عام 2018 ضمن آليات المقامرة.

وبذلك تبرز مفارقة لافتة: دولة تحظر القمار رسمياً، لكنها أصبحت، وفق هذه المعطيات، مالكاً فعلياً لشركة تستخدم إحدى آلياتها التجارية التي صُنفت قانونياً في دولة أوروبية باعتبارها نوعاً من القمار.

القمار ممنوع.. لكن من يوقف الطريق إليه؟

من التحويل البنكي، إلى المحافظ الإلكترونية، ثم العملات المشفرة، وصولاً إلى منصات الكازينو، يظهر مسار كامل يمكن أن تسلكه الأموال دون أن يتوقف عند حاجز واحد.

وفي الوقت نفسه، تستثمر الدولة مليارات الدولارات في صناعة الألعاب، بينما يمتلك صندوقها السيادي حصة مسيطرة، بحسب المعطيات الواردة، في شركة تبيع آلية صنفتها دولة أوروبية ضمن أنشطة القمار.

وهنا لا يتعلق السؤال فقط بوجود أفراد سعوديين يقامرون عبر الإنترنت، بل بمدى فعالية المنظومة التي يفترض أنها تمنع وصول الأموال إلى هذه الأسواق.

إذا كان القمار محرماً وممنوعاً رسمياً، فكيف يستمر تدفق الأموال إليه بهذا الحجم؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً: من الذي يقرر أين يبدأ تطبيق الحظر، وأين تنتهي حدوده؟.

شارك هذا المقال على: