تشديد القيود على الوصول إلى محمد بن سلمان مع تصاعد التوترات
كشفت مصادر إعلامية دولية متطابقة أن الوصول إلى ولي العهد محمد بن سلمان أصبح أكثر تقييداً، مع تشديد القيود وإجراءات التدقيق وتقليص اللقاءات المباشرة، وذلك بحسب مصادر قريبة من الديوان الملكي.
ونقل موقع «إنتليجنس أونلاين» الدولي عن المصادر قولها إن بروتوكولات التدقيق رُفعت قبل هجمات الحوثيين على المملكة، وأن اللقاءات الشخصية مع ولي العهد خضعت لمزيد من القيود بعد تصاعد التوترات.
ويأتي التقرير في وقت تواجه فيه السعودية تصعيداً عسكرياً في اليمن وهجمات عابرة للحدود، فيما تتزايد المخاوف بشأن أمن المطارات ومنشآت الطاقة والموانئ.
وأفاد تقرير لمجلس الأمن الدولي بأن الحوثيين شنوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مطارات ومنشآت طاقة سعودية خلال أكتوبر، فيما قالت الرياض إن دفاعاتها اعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق بينها الرياض وخميس مشيط ونجران. تقرير مجلس الأمن بشأن اليمن
وكانت هجمات الحوثيين قد طالت أيضاً أهدافاً في جنوب اليمن، في سياق تجدد المواجهات بين الجماعة والقوات المدعومة من السعودية. وأفادت رويترز بأن الحوثيين قصفوا مجمع القصر الرئاسي في عدن في 15 أكتوبر/تشرين الأول، فيما عرض التحالف الذي تقوده السعودية قائمة بهجمات استهدفت بنى تحتية سعودية خلال الأسابيع السابقة. رويترز
وتزامن التصعيد مع تحركات سعودية لطلب دعم من الحلفاء. ففي سبتمبر/أيلول، التقى ولي العهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت واجهت فيه المملكة هجمات على الملاحة والبنية التحتية، من بينها أضرار لحقت بخط أنابيب النفط شرق–غرب. ولم تعلن الرياض حينها تفاصيل محددة عن خطوات عسكرية مشتركة، لكن اللقاء عكس مساعيها إلى حشد دعم سياسي وإقليمي لمواجهة التهديدات. أسوشيتد برس
كما ذكر مركز «صوفان» أن هجمات الحوثيين على مطارات ومنشآت حيوية كشفت نقاط ضعف أمنية وأجبرت الرياض على طلب مساعدة حلفائها في التصدي للتهديد.
ولفت المركز إلى أن خيارات السعودية معقدة: فالتصعيد العسكري قد يفتح جبهة أوسع ويجلب مزيداً من الهجمات، فيما قد يُفسَّر ضبط النفس على أنه ضعف.
ويكتسب ما أورده «إنتليجنس أونلاين» أهمية خاصة لأن تشديد إجراءات الوصول، بحسب مصادره، بدأ قبل هجمات الحوثيين، ما يعني أن التدابير لا يمكن ربطها بالتصعيد وحده.
لكن التقرير لم يوضح الأسباب الأخرى التي دفعت إلى رفع مستوى التدقيق، ولم يحدد ما إذا كانت القيود مرتبطة بتقييم أمني جديد أو بإعادة تنظيم جدول ولي العهد واتصالاته.
وفي المقابل، ظهر ابن سلمان علناً خلال استقباله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض في 21 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ولا ينفي هذا الظهور ما نقله الموقع عن تضييق اللقاءات المباشرة؛ إذ لم يقل التقرير إن ولي العهد توقف عن استقبال المسؤولين، بل تحدث عن تشديد التدقيق وتقليص إمكان الوصول إليه.
ويضع هذا التصعيد القيادة السعودية أمام تحديين متزامنين: احتواء المخاطر الأمنية وحماية البنية التحتية، وإدارة الأزمة السياسية والعسكرية من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
في هذه الأثناء تتزايد التساؤلات بشأن استمرار غياب محمد بن سلمان عن الظهور العلني خلال فترة التصعيد الإقليمي، في وقت تشير فيه تقارير إعلامية إلى تشديد الإجراءات الأمنية المحيطة بتحركاته، وانتقاله بين قصور محصنة ومجهزة بملاجئ، وسط تصاعد التهديدات والهجمات الحوثية على المملكة.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن ولي العهد، البالغ من العمر 41 عاماً، يتنقل بين قصور شديدة الحراسة ومجهزة بملاجئ، برفقة فريق أمني اختير بعناية، وذلك استناداً إلى مسؤولين مطلعين على تحركاته.
وتفتح هذه المعطيات باب التساؤلات حول طبيعة إدارة ابن سلمان للأزمة، خصوصاً مع استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد الحرب الأمريكية الإيرانية، وما رافقها من تهديدات طالت البنية التحتية والمنشآت الحيوية في منطقة الخليج.
وبينما تفرض الظروف الأمنية اتخاذ تدابير لحماية كبار المسؤولين، يرى مراقبون أن الإفراط في التحصين والابتعاد عن الظهور المباشر قد يبعث برسائل سياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية وحدها.
ويشير نشطاء سعوديون إلى ما يعتبرونه تحولاً في سلوك ولي العهد مقارنة بسنوات سابقة، حين حرص على الظهور بمظهر القائد الموجود في الميدان، القادر على الاقتراب من الجنود ومشاركة المواطنين لحظاتهم الصعبة.
ويستحضر هؤلاء ظهوره عند الحدود السعودية برفقة الجنود، وزياراته للجرحى والمصابين خلال حرب اليمن في عام 2016، معتبرين أن هذا النهج كان جزءاً من الصورة التي عمل على تقديمها للرأي العام.
وفي المقابل، يلفت هؤلاء إلى غيابه عن نهائي كأس الخليج الذي جمع المنتخبين السعودي والإماراتي، بوصفه مؤشراً رمزياً على تغير أسلوب حضوره العام. ويرى بعضهم أن تجنب الظهور في ظل المخاطر الأمنية قد يكون مفهوماً، لكنه يظل، ابتعاداً عن نهج سابق اعتمد على الحضور المباشر وإظهار الثقة في مواجهة التحديات.
ولا تتوقف التساؤلات عند المناسبات الرياضية، إذ أثار غياب ابن سلمان عن مناسبات اجتماعية وعائلية، من بينها حفل زفاف شقيقه، مزيداً من التكهنات بشأن الظروف المحيطة بتحركاته.
كما تداولت تقارير وصور معلومات عن إدارته بعض الملفات من داخل منشآت محصنة، في وقت قارن فيه منتقدون بين هذا السلوك وظهور قادة إقليميين آخرين في مواقع علنية أو عسكرية خلال فترة التوتر.
ويحمل هذا الجدل بُعداً سياسياً يتجاوز مسألة الظهور الشخصي، إذ ترتبط صورة القائد في أوقات الأزمات بقدرته على طمأنة الجمهور وإظهار السيطرة على مجريات الأحداث.
وبينما قد تبرر المخاطر الأمنية تقليص التحركات العلنية، فإن استمرار الغياب من دون رسائل واضحة قد يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات، ويضعف الصورة التي تسعى القيادة إلى ترسيخها.
وتبرز انتقادات أخرى تتعلق بتركيز السلطة في يد ولي العهد، إذ يرى معارضون أن جمع صلاحيات واسعة في مركز واحد يجعل المسؤولية عن القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية أكثر ارتباطاً بشخصه، ويحد من قدرته على تحميل أطراف أخرى مسؤولية الإخفاقات.
وفي هذا السياق، قال لاري جونسون، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إن ابن سلمان “لم يعد بإمكانه إلقاء اللوم على ابن عم مجنون، بل أصبح لزاماً عليه تحمل كل اللوم”، في إشارة إلى ما يعتبره منتقدون تحمّلاً مباشراً لمسؤولية نتائج السياسات التي اتخذتها القيادة السعودية.
وتتزامن هذه الانتقادات مع ضغوط اقتصادية تواجه المملكة، وسط تساؤلات بشأن كلفة الإنفاق الحكومي الضخم، ومدى دقة تقدير المخاطر المرتبطة بالحوثيين والتوترات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن القرارات التي تركز السلطة في يد ولي العهد تجعل إدارة الأزمات أكثر هشاشة، لأن تداعيات أي تقدير خاطئ قد تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة، بدلاً من احتوائها داخل جهة محددة.
كما تواجه سياسات ابن سلمان الاجتماعية انتقادات من أوساط دينية محافظة، بينها رجال دين يتبنون توجهاً وهابياً، ويرون أن مساعي الانفتاح والتغريب التي تقودها السلطات السعودية أدت إلى توسيع مظاهر يعتبرونها مخالفة لقيمهم الدينية.
ويكشف هذا الخلاف عن استمرار التوتر بين مشروع التغيير الاجتماعي الذي يتبناه ولي العهد وبعض القوى المحافظة التي ترى في سياساته ابتعاداً عن النهج التقليدي للمملكة.
