الذكرى الثامنة لجريمة قتل خاشقجي.. مراسلون بلا حدود تطالب بكسر الإفلات من العقاب
تحل اليوم الجمعة الذكرى الثامنة لجريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، فيما لا تزال القضية من دون محاسبة سياسية لكبار المسؤولين الذين اتُّهموا بالمسؤولية عن الجريمة، وسط آمال جديدة تعلقها منظمة “مراسلون بلا حدود” على التحقيق القضائي الذي فتحته فرنسا هذا العام.
وتقول المنظمة إن السنوات الثماني الماضية شهدت إفلاتاً من العقاب، ومحاكمتين لم تفضيا إلى محاسبة المسؤولين، ومحاكمة سعودية مغلقة وصفتها بأنها “شكلية”، بينما لم يمثل أي من كبار المسؤولين السياسيين الذين اشتبهت التحقيقات في تورطهم في تدبير الجريمة أمام القضاء.
وتعود القضية إلى الثاني من أكتوبر 2018، عندما دخل خاشقجي، كاتب العمود في صحيفة “واشنطن بوست”، القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على وثائق شخصية، قبل أن يُقتل داخل المبنى. وأظهرت التحقيقات الدولية لاحقاً أن العملية نفذها فريق سعودي مؤلف من 15 شخصاً، فيما خلصت جهات تحقيق دولية إلى وجود أدلة واسعة على عملية القتل.
وتفتح فرنسا حالياً المسار القضائي الأبرز المتبقي في القضية، بعدما أعلن مكتب النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب في مايو 2026 فتح تحقيق قضائي في مقتل خاشقجي، استناداً إلى شكوى قدمتها “مراسلون بلا حدود” ومنظمة “ترايال إنترناشونال” عام 2022، إلى جانب منظمة “الديمقراطية الآن للعالم العربي” التي أسسها خاشقجي.
وأعلنت النيابة أن تعيين قاضي التحقيق كان لا يزال منتظراً عند صدور أحدث بيان للمنظمة.
وتستهدف الشكوى ولي العهد محمد بن سلمان شخصياً، باتهامات تتعلق بـ”التواطؤ في التعذيب والإخفاء القسري كجزء من مجموعة منظمة”، وفق ما أوردته “مراسلون بلا حدود”.
وأكدت المنظمة أنها ستشارك كطرف مدني في الإجراءات القضائية، داعية جميع الأطراف التي يمكن أن تساهم في كشف المسؤوليات إلى التعاون مع التحقيق الفرنسي.
وتأتي الخطوة الفرنسية بعد إغلاق أو تعطيل مسارات قضائية أخرى. ففي تركيا بدأت محاكمة غيابية عام 2020 بحق 20 متهماً، ثم أضيف ستة متهمين آخرين، قبل أن يعلّق القضاء التركي المحاكمة في أبريل 2022 ويحيل القضية إلى السعودية. وكانت السلطات التركية قد قالت إن المحاكمة تستند إلى اتهامات ضد أشخاص لم يحضروا أمام المحكمة.
وفي الولايات المتحدة، رفعت خطيبة خاشقجي السابقة خديجة جنكيز ومنظمة “الديمقراطية الآن للعالم العربي” دعوى مدنية ضد محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين. لكن القضية انتهت بعد أن اعتبرت الإدارة الأميركية أن تولي بن سلمان منصب رئيس الوزراء يمنحه حصانة مرتبطة بالمنصب، قبل أن ترفض المحكمة القضية في ديسمبر 2022.
وتقول “مراسلون بلا حدود” إن السعودية أجرت محاكمة داخلية بدأت في يناير 2019، لكنها جرت خلف أبواب مغلقة ولم تكشف السلطات في بدايتها أسماء المتهمين.
وانتهت الأحكام السعودية النهائية في سبتمبر 2020 بإدانة ثمانية أشخاص بالسجن، تراوحت أحكامهم بين سبع سنوات و20 عاماً، بينما أُسقطت الملاحقات بحق مسؤولين كبار، بينهم المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني.
وتعززت الشكوك بشأن المحاكمة السعودية بعد تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” عام 2021، أفاد نقلاً عن مصادر وشهود بأن ثلاثة على الأقل من المدانين كانوا يعيشون ويعملون داخل مجمع أمني حكومي في الرياض في ظروف وُصفت بأنها فاخرة، مع إمكانية استخدام مرافق رياضية ومساحات للعمل واستقبال أفراد من عائلاتهم.
وذكرت الصحيفة أن أحد هؤلاء كان الطبيب الشرعي صلاح الطبيقي، الذي اتهم بالمشاركة في تقطيع جثة خاشقجي.
وتعيد القضية إلى الواجهة كذلك ملف الصحفي السعودي تركي الجاسر، الذي أعدمته السلطات السعودية في 14 يونيو 2025 بعد سبع سنوات من الاحتجاز.
وقالت “مراسلون بلا حدود” إن الجاسر اتُهم بالخيانة العظمى وجرائم مرتبطة بالإرهاب بسبب منشوراته على الإنترنت، واعتبرت إعدامه مؤشراً على استمرار المخاطر التي يواجهها الصحفيون في السعودية رغم الوعود بإصلاحات بعد مقتل خاشقجي.
وتشير المنظمة إلى أن إعدام الجاسر جاء بعد تصريحات لمحمد بن سلمان قال فيها في مقابلة عام 2023 إن إصلاحات أُدخلت على المنظومة الأمنية بعد مقتل خاشقجي، وإنه لم يُقتل أي صحفي آخر منذ الجريمة.
وتقول “مراسلون بلا حدود” إن إعدام الجاسر عام 2025 يناقض هذا الخطاب، وتصف السعودية بأنها ما زالت تحتجز صحفيين وتفرض عقوبات قاسية على منتقدي السلطات.
وتضع التطورات الفرنسية القضية أمام اختبار جديد بعد سنوات من إغلاق المسارات القضائية الأخرى، خصوصاً أن التحقيق الفرنسي هو، وفق “مراسلون بلا حدود”، المسار القضائي الوحيد من نوعه المفتوح حالياً في العالم بشأن مقتل خاشقجي.
وتطالب المنظمة بأن يؤدي التحقيق إلى تحديد المسؤوليات، بما يشمل المسؤولين السياسيين، بدلاً من الاكتفاء بمحاكمة منفذي العملية.
وتقول “مراسلون بلا حدود” إن تحقيق العدالة لخاشقجي ومواجهة الإفلات من العقاب يمثلان قضية تتجاوز شخص الصحفي السعودي، وترتبط بحماية الصحفيين وقدرتهم على ممارسة عملهم من دون أن تتحول الكتابة والانتقاد السياسي إلى سبب للاعتقال أو الإعدام.
