السعودية تدفع ثمن مغامرات محمد بن سلمان بزيادة الإنفاق العسكري الدفاعي
تتجه السعودية إلى زيادة الإنفاق العسكري الدفاعي مع تصاعد التهديدات الإقليمية وتزايد الضغوط على منظومات الدفاع الجوي والصاروخي للمملكة، في ظل المواجهة مع إيران وهجمات جماعة الحوثيين في اليمن، وفق تحليل نشرته مجلة الأعمال الخليجية “إيه جي بي آي”.
وقالت المجلة إن محللين يتوقعون استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي السعودي خلال السنوات المقبلة، بعدما فرضت التطورات العسكرية الأخيرة ضغوطاً إضافية على الميزانية السعودية، ودَفعت الرياض إلى إعادة تقييم احتياجاتها من منظومات الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات والقدرات العسكرية الجديدة.
وأبرزت “إيه جي بي آي” أن السعودية أنفقت نحو 83 مليار دولار على الدفاع خلال عام 2025، لتكون صاحبة أعلى إنفاق عسكري في الشرق الأوسط والثامنة عالمياً.
وتؤكد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن الإنفاق العسكري السعودي بلغ 83.2 مليار دولار في 2025، بزيادة 1.4% عن العام السابق، وهو ما وضع المملكة في المرتبة الثامنة عالمياً.
وكشفت المجلة أن الإنفاق الدفاعي السعودي بلغ نحو 33 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة تتجاوز 3 مليارات دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يعكس تسارع الضغوط التي تواجهها المملكة على صعيد الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية للطاقة.
وقال تيم كالين، الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن والرئيس السابق لبعثة صندوق النقد الدولي إلى السعودية، إن المملكة مرشحة لدخول فترة من ارتفاع الإنفاق العسكري خلال السنوات المقبلة نتيجة التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
وأشارت “إيه جي بي آي” إلى أن الرياض ستحتاج إلى إعادة بناء مخزونات صواريخ الاعتراض، ولا سيما صواريخ باتريوت، بعد الاستهلاك الكبير الذي تعرضت له منظومات الدفاع الجوي خلال المواجهات الأخيرة. وتتراوح تكلفة صاروخ باتريوت من طراز PAC-3 MSE بين 4 و5 ملايين دولار للصاروخ الواحد، وفق بيانات نقلتها رويترز ومصادر دفاعية أمريكية.
وتزامن ذلك مع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية، حيث أعلنت الرياض في سبتمبر اعتراض طائرة مسيرة حوثية جنوب مكة، بينما قالت جماعة الحوثيين إنها نفذت هجمات على أهداف سعودية.
كما أعلنت الجماعة في 16 سبتمبر إسقاط مقاتلة سعودية من طراز إف-15 فوق محافظة مأرب، وهو ادعاء لم تؤكده السلطات السعودية رسمياً في حينه، بينما قالت مصادر تحليلية إن مقاطع مصورة قدمت مؤشرات على تحطم طائرة سعودية، مع بقاء بعض التفاصيل غير محسومة.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس في 16 سبتمبر بأن السعودية بدأت تعاني نقصاً في صواريخ الاعتراض، وأنها طلبت مساعدة حلفاء إقليميين وغربيين لتعويض مخزوناتها، في ظل استمرار المواجهة مع الحوثيين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المالية السعودية ضغوطاً إضافية. وأظهرت بيانات وزارة المالية أن إجمالي الإنفاق الحكومي خلال النصف الأول من 2026 بلغ نحو 759.8 مليار ريال، بزيادة 15% على أساس سنوي، بينما سجلت الميزانية عجزاً تراكمياً بلغ نحو 160 مليار ريال.
وأقرت السعودية ميزانية عام 2026 بإجمالي نفقات يبلغ نحو 1.313 تريليون ريال، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 1.147 تريليون ريال، مع عجز مقدر بنحو 165 مليار ريال، أي ما يعادل نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالتوازي مع زيادة الإنفاق، تتجه الرياض إلى توسيع مشترياتها العسكرية من الولايات المتحدة. فقد وافقت وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 مقاتلة من طراز إف-35 بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، إضافة إلى 49 محركاً، على أن تخضع الصفقة لإجراءات المراجعة والموافقة في الكونغرس.
وقالت “إيه جي بي آي” إن صفقات السلاح الأمريكية التي حصلت على موافقات هذا العام لصالح السعودية بلغت نحو 44 مليار دولار، وهي قيمة تزيد بأكثر من أربعة أضعاف إجمالي ما تمت الموافقة عليه خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وفق ألبرت فيدال، الباحث في شؤون الصناعات الدفاعية والمشتريات العسكرية في الشرق الأوسط لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
وشدد فيدال، وفق المجلة، على أن هذه الأرقام تمثل صفقات جرى اعتمادها وليست بالضرورة مبيعات مكتملة أو أسلحة وصلت إلى السعودية، إذ قد يستغرق تنفيذ بعضها سنوات. لكنه اعتبر حجم الإعلانات مؤشراً على مستوى الطلب السعودي على المعدات الدفاعية واستعداد واشنطن لتوسيع مبيعات السلاح للمملكة.
وتشير التطورات إلى أن ارتفاع الإنفاق العسكري السعودي لا يرتبط فقط بشراء مقاتلات جديدة، بل يشمل أيضاً إعادة بناء مخزونات صواريخ الاعتراض، وتطوير الدفاعات الجوية، وحماية منشآت النفط والطاقة، والاستثمار في الطائرات المسيرة والقدرات العسكرية المحلية.
وتضع هذه المتطلبات السعودية أمام معادلة مالية أكثر تعقيداً، إذ يتزامن الإنفاق الدفاعي المرتفع مع استمرار مشاريع التحول الاقتصادي في إطار رؤية 2030، ومع عجز متوقع في الميزانية وزيادة في الدين العام. وتقدر وزارة المالية أن يصل الدين العام إلى نحو 1.622 تريليون ريال في 2026، بما يعادل 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويأتي ذلك بينما تواصل الرياض الاستثمار في توطين الصناعات العسكرية، إذ خصصت ميزانية 2026 للقطاع العسكري 240 مليار ريال، وفق بيان الميزانية، مع استمرار برامج تطوير القدرات العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية.
وبذلك، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لمزيد من الإنفاق الدفاعي السعودي، مدفوعة بتغير طبيعة التهديدات الإقليمية واستنزاف مخزونات الدفاع الجوي، في وقت تحاول فيه المملكة الموازنة بين متطلبات الأمن العسكري وتمويل مشاريعها الاقتصادية والاستثمارية الطموحة.
