بين إعلان إنجاز 93% من رؤية 2030 وانكماش الاقتصاد.. عجز السعودية يتجه إلى 190 مليار ريال
كشفت بيانات وزارة المالية السعودية عن مفارقة لافتة في مسار رؤية 2030، ففي الوقت الذي أعلن فيه ولي العهد محمد بن سلمان إنجاز 93% من مؤشرات أداء الرؤية ومستهدفاتها السنوية، أظهرت التقديرات الرسمية أن الاقتصاد السعودي يتجه إلى تسجيل انكماش حقيقي بنسبة 3.6% خلال 2026، فيما تتوقع الحكومة اتساع عجز الموازنة إلى نحو 190 مليار ريال في 2027.
وأعلنت وزارة المالية في 30 سبتمبر البيان التمهيدي لميزانية 2027، مقدرة النفقات بنحو 1.392 تريليون ريال، مقابل إيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال، بما يعني عجزاً يقارب 190 مليار ريال، أو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتأتي هذه الأرقام بعد سنوات من الإنفاق الحكومي الضخم على مشاريع وبرامج رؤية 2030 التي يفترض أن تقود عملية التحول الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط.
وتكشف البيانات في الوقت نفسه أن الانكماش المتوقع في 2026 يرتبط بصورة أساسية بالقطاع النفطي، إذ تتوقع وزارة المالية تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 21.8%، بينما تحافظ الأنشطة غير النفطية على نمو إيجابي يبلغ نحو 3.2%.
وتقول الوزارة إن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سينخفض بنسبة 3.6% خلال العام الحالي، في حين بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 57.3% من الناتج المحلي في النصف الأول من 2026.
وتلقي اضطرابات أسواق الطاقة والممرات البحرية بظلال مباشرة على هذه الأرقام. وأظهرت بيانات نقلتها مصادر اقتصادية أن إنتاج السعودية من النفط هبط في أغسطس إلى 6.238 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ عام 1990، بعد انخفاض قدره نحو 1.9 مليون برميل يومياً.
كما تراجعت صادرات الخام السعودية في الشهر نفسه إلى نحو 3.2 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد.
وتزامن تراجع الإنتاج مع اضطراب طرق التصدير نتيجة الحرب الإقليمية والهجمات التي أثرت في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، قبل أن تبدأ الصادرات السعودية في التعافي خلال سبتمبر.
وأظهرت بيانات وكالة رويترز أن صادرات الخام السعودية ارتفعت في سبتمبر إلى نحو 5.4 مليون برميل يومياً، لكنها ظلت دون مستويات ما قبل اندلاع الحرب.
وتتسع الفجوة بين الخطاب السياسي حول نجاح التحول الاقتصادي وبين حجم التمويل الذي تحتاجه الحكومة للاستمرار في تنفيذ مشروعاتها. فقد بلغت احتياجات التمويل الحكومية لعام 2026 نحو 217 مليار ريال، وفق خطة الاقتراض السنوية، لتغطية عجز متوقع قدره 165 مليار ريال وسداد أصل ديون مستحقة بنحو 52 مليار ريال. ويمثل الرقم زيادة بنسبة 56% مقارنة بخطة الاقتراض لعام 2025.
وتشير هذه الأرقام إلى أن رؤية 2030 لم تلغ اعتماد المالية العامة على الإنفاق الحكومي واسع النطاق، حتى مع ارتفاع مساهمة الاقتصاد غير النفطي.
وتزعم وزارة المالية أن الإيرادات غير النفطية ارتفعت من نحو 166 مليار ريال في 2015 إلى 505 مليارات في 2025، وتقدم ذلك باعتباره أحد نتائج الإصلاحات الاقتصادية وبرامج التنويع. غير أن استمرار العجز والاقتراض، بالتزامن مع توسع الإنفاق على المشاريع الاستراتيجية، يضع تكلفة تنفيذ الرؤية تحت رقابة اقتصادية متزايدة.
وتأتي هذه المؤشرات بعد إعلان سعودي واسع عن تحقيق تقدم كبير في رؤية 2030. ففي أبريل 2026 قال مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية إن 93% من مؤشرات أداء الرؤية حققت مستهدفاتها السنوية أو شارفت على تحقيقها، وإن 90% من إجمالي 1290 مبادرة إما اكتملت أو تسير وفق المسار الصحيح.
ويستند الإعلان الرسمي بذلك إلى مؤشرات أداء محددة، وليس إلى القول بأن جميع أهداف الرؤية تحققت. لكن الفارق بين لغة الإنجاز المرتفعة وبين أرقام الاقتصاد والمالية العامة يفتح نقاشاً حول كيفية قياس نجاح الرؤية، خصوصاً أن الانتقال من إطلاق المشاريع إلى تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة يمثل جوهر المرحلة الثالثة من البرنامج التي بدأت في 2026 وتمتد حتى 2030.
وتقول وزارة المالية إن الاقتصاد غير النفطي يواصل النمو وإن الإصلاحات ساعدت على تنويع قاعدة الإيرادات، كما تؤكد أن العجز جزء من سياسة مالية مقصودة تستهدف مواصلة الإنفاق على المشاريع ذات الأولوية والعوائد الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى المسؤولون السعوديون أن الاحتياطيات والأصول الحكومية ومستويات الدين تمنح الدولة مساحة للتحرك وتمويل المشاريع رغم العجز.
لكن استمرار الحاجة إلى الاقتراض، واتساع العجز إلى نحو 190 مليار ريال في 2027، وتراجع النشاط النفطي بأكثر من خمس، يسلط الضوء على الجانب الآخر من الحسابات المالية لرؤية 2030: فالمشاريع العملاقة والتحول الاقتصادي يحتاجان إلى إنفاق متواصل، بينما لا يزال النفط عاملاً حاسماً في قدرة الدولة على تمويل هذا المسار.
وتضع أرقام 2026 و2027 بذلك رواية “نجاح الرؤية” أمام اختبار اقتصادي أكثر تعقيداً. فارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية يمثل تحولاً مهماً وفق البيانات الحكومية، لكن الانكماش الكلي المتوقع واتساع العجز وارتفاع احتياجات الاقتراض تكشف في الوقت ذاته أن عملية التحول لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها فصل المالية العامة السعودية عن تقلبات النفط والإنفاق الحكومي واسع النطاق.
وتدخل رؤية 2030 مرحلتها الأخيرة في ظل هذه المعادلة: مؤشرات حكومية تعلن تحقيق أو الاقتراب من تحقيق 93% من المستهدفات السنوية، واقتصاد يسجل انكماشاً في 2026، وموازنة تتجه إلى عجز يبلغ نحو 190 مليار ريال في 2027.
وبين الرقمين، يبقى الاختبار الحقيقي للرؤية مرتبطاً بقدرتها على تحويل الإنفاق الهائل والإصلاحات المعلنة إلى نمو مستدام يقلل بصورة ملموسة حساسية الاقتصاد السعودي لصدمات النفط والإنفاق الحكومي.
