بحث في المقالات

رئيسي

خفايا تلاعب صندوق الاستثمارات العامة السعودي بأرقام إيراداته لخداع الجمهور

بواسطة سعودي ليكس 23 أغسطس، 2026 التعليقات: 0
خفايا تلاعب صندوق الاستثمارات العامة السعودي بأرقام إيراداته لخداع الجمهور

أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي تحقيق رقم قياسي جديد في إيراداته خلال عام 2025، بلغت قيمته نحو 450 مليار ريال، في رقم ضخم جرى تقديمه باعتباره دليلاً على القوة المالية المتصاعدة للصندوق ونجاح استثماراته. لكن وراء الاحتفاء بالرقم الكبير، تكشف قراءة البيانات المالية عن فارق جوهري بين ما يدخل إلى بند الإيرادات وما ينتهي فعلياً كأرباح.

فالرقم البالغ نحو 449.9 مليار ريال لا يمثل صافي أرباح الصندوق، بل إجمالي الإيرادات. أما صافي الربح خلال العام نفسه فبلغ أكثر من 65 مليار ريال فقط، بحسب البيانات الرسمية المنشورة في أغسطس/آب 2026.

ويعني ذلك أن الطريقة التي يجري بها إبراز رقم الإيرادات وحده يمكن أن تمنح الجمهور انطباعاً مضللاً عن حجم الأموال التي حققها الصندوق فعلياً.

ويمكن تبسيط المسألة من خلال متجر يبيع بضائع بقيمة 10 ملايين ريال سنوياً، لكنه ينفق 9 ملايين ريال على شراء البضائع والرواتب والتشغيل. في هذه الحالة تبلغ الإيرادات 10 ملايين ريال، لكن الربح الحقيقي لا يتجاوز مليون ريال.

وهذا هو الفارق الذي يغيب غالباً عن العناوين الاحتفالية التي تركز على مئات المليارات من الريالات في الإيرادات، من دون وضع الرقم في سياقه الكامل.

وتكشف الأرقام الرسمية نفسها مدى خطورة الخلط بين المفهومين. ففي عام 2022، سجل الصندوق إيرادات بلغت نحو 165.05 مليار ريال، وهو رقم ضخم بدوره، لكن النتيجة النهائية لم تكن أرباحاً، بل خسارة صافية بلغت نحو 14.7 مليار ريال.

بمعنى آخر، يمكن لصندوق استثماري أن يسجل عشرات أو حتى مئات المليارات من الريالات في الإيرادات، ثم ينتهي العام بخسارة.

وكانت خسائر 2022 مرتبطة بصورة كبيرة بأداء الاستثمارات والأسواق العالمية، إذ أظهرت البيانات المالية أن أنشطة الاستثمار سجلت خسائر، بينها خسائر غير محققة مرتبطة بتغير القيمة العادلة لاستثمارات في SoftBank Vision Fund، إلى جانب خسائر أخرى مرتبطة بتراجع الأسواق، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا.

وهنا تظهر مشكلة أخرى في قراءة الأرقام الاستثمارية، وهي أن الربح المحاسبي ليس بالضرورة مالاً نقدياً دخل إلى حساب الصندوق.

فإذا اشترى مستثمر أسهماً بقيمة 20 مليون ريال، ثم ارتفعت قيمتها السوقية إلى 26 مليوناً في نهاية السنة، يمكن تسجيل مكسب قدره 6 ملايين ريال على الورق. لكن هذا المكسب يظل غير محقق نقدياً ما لم يتم بيع الأسهم وتحويلها إلى سيولة فعلية.

وينطبق الأمر نفسه، بدرجات مختلفة، على الصناديق الاستثمارية العملاقة التي تعتمد على تقييم محافظ تضم أسهماً وشركات خاصة ومشروعات طويلة الأجل وأصولاً يصعب أحياناً تحديد قيمتها السوقية بصورة نهائية.

ولذلك فإن إعلان ارتفاع الإيرادات أو الأرباح لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: كم من هذه الأرباح تحول إلى تدفقات نقدية فعلية، وكم منها جاء نتيجة إعادة تقييم الأصول والاستثمارات؟

وتزداد أهمية هذا السؤال مع تراكم مشكلات في عدد من الاستثمارات الرئيسية المرتبطة بمحفظة الصندوق.

فقد تكبدت المشروعات العملاقة التي تشكل جزءاً رئيسياً من استراتيجية التحول الاقتصادي السعودي انخفاضاً في القيمة بلغ نحو 30 مليار ريال، أو ما يعادل قرابة 8 مليارات دولار، وفق ما كشفته وكالة رويترز استناداً إلى البيانات المالية لعام 2024.

وانخفضت قيمة هذه المشروعات إلى نحو 211 مليار ريال بنهاية 2024، بتراجع تجاوز 12% مقارنة بالعام السابق، وسط ضغوط مرتبطة بارتفاع التكاليف وتأخر التنفيذ وتغير ظروف السوق.

وتشمل هذه المحفظة مشروعات عملاقة مثل نيوم، إلى جانب مشاريع أخرى كان يفترض أن تمثل واجهة استراتيجية “رؤية 2030”.

ولا يعني انخفاض القيمة بالضرورة انهيار المشروع أو فشله النهائي، لكنه يمثل اعترافاً محاسبياً بأن قيمة بعض الأصول أصبحت أقل مما كانت عليه في التقييمات السابقة، وهو تطور يصعب تجاهله عند الحديث عن نجاحات الصندوق.

كما تمثل شركة Lucid مثالاً آخر على المخاطر المرتبطة بالرهانات الاستثمارية الضخمة.

فقد ضخ الصندوق والحكومة السعودية مليارات الدولارات في شركة السيارات الكهربائية الأميركية، بينما واجهت الشركة خسائر متواصلة ومشكلات في الإنتاج والمبيعات والحاجة المستمرة إلى التمويل.

وأظهرت تقديرات سابقة أن قيمة حصة الصندوق تراجعت بصورة حادة مقارنة بمستوياتها المرتفعة بعد إدراج الشركة في البورصة، فيما واصلت الشركة الاعتماد على التمويل الخارجي لتحقيق خططها التشغيلية.

ولا يقتصر الأمر على Lucid. فشركة Magic Leap، المتخصصة في تقنيات الواقع المعزز، تلقت استثمارات سعودية ضخمة منذ سنوات.

وكان الصندوق قد أعلن في 2018 استثمار 400 مليون دولار في الشركة، قبل أن تتطلب لاحقاً جولات تمويل إضافية للحفاظ على عملياتها وسط استمرار البحث عن نموذج أعمال مستدام. وفي عام 2024، أفادت تقارير بأن الصندوق ضخ مئات الملايين الإضافية في الشركة في ظل حاجتها إلى تمويل جديد.

وتكشف هذه الحالات أن الصورة الكاملة تختلف كثيراً عن الرواية التي تختزل أداء الصندوق في رقم واحد.

ففي 2025، بلغ إجمالي الإيرادات قرابة 450 مليار ريال، لكن تكاليف الإيرادات وحدها تجاوزت 207 مليارات ريال، فيما بلغت المصروفات الإدارية والعمومية نحو 157 مليار ريال، قبل الوصول إلى النتيجة النهائية للأرباح.

وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الرقم الضخم الذي يتم الاحتفاء به لا يمثل مالاً صافياً متاحاً للصندوق، بل حجم نشاط اقتصادي واستثماري يرافقه إنفاق وتكاليف ومخاطر وتغيرات في تقييم الأصول.

ولا يعني ذلك أن الصندوق لم يحقق نمواً أو أنه يخفي أرقامه؛ فالقوائم المالية المنشورة توضح بالفعل الفرق بين الإيرادات والأرباح، كما تنشر بوابة التقارير المالية لصندوق الاستثمارات العامة البيانات الموحدة وفق المعايير المحاسبية المعتمدة.

لكن المشكلة تكمن في طريقة تسويق الأرقام. فعندما يُدفع رقم 450 مليار ريال إلى مقدمة الخطاب الإعلامي، بينما يختفي الفرق بين الإيرادات والربح والتدفقات النقدية وخسائر انخفاض القيمة في التفاصيل الخلفية، يصبح من السهل خلق صورة مضخمة عن العائد الحقيقي للاستثمارات.

والأرقام نفسها تقدم الدليل الأوضح: 165 مليار ريال من الإيرادات في 2022 انتهت بخسارة تقارب 15 مليار ريال، بينما 450 مليار ريال في 2025 انتهت بربح يزيد قليلاً على 65 مليار ريال.

وبين الرقمين، تتكشف حقيقة لا تظهر في العناوين الاحتفالية: الإيرادات ليست الأرباح، والأرباح المحاسبية ليست دائماً نقداً، وارتفاع قيمة الأصول لا يعني بالضرورة نجاح الاستثمار عند لحظة البيع.

أما الاختبار الحقيقي لصندوق الاستثمارات العامة، فلن يكون في قدرته على إنتاج أرقام قياسية في الإيرادات، بل في قدرته على تحويل مئات المليارات التي جرى ضخها في السيارات الكهربائية والتكنولوجيا والمشروعات العملاقة إلى عوائد نقدية مستدامة، من دون أن تتحول عمليات إعادة التقييم وتأجيل المشاريع وخفض قيم الأصول إلى الفاتورة المؤجلة لطموحات استثمارية أكبر من قدرتها على تحقيق العائد.

شارك هذا المقال على: