بحث في المقالات

تسييس الحرمين

محمد بن سلمان والخرائط التوراتية.. فتح السعودية أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”

بواسطة سعودي ليكس 14 أغسطس، 2026 التعليقات: 0
محمد بن سلمان والخرائط التوراتية.. فتح السعودية أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”

تتزايد محاولات ربط التحولات التي تشهدها السعودية بمساعٍ إسرائيلية وأيديولوجية للبحث عن جذور تاريخية ودينية مزعومة داخل شبه الجزيرة العربية، في سياق محاولة تثبيت سردية “إسرائيل الكبرى” وإعادة رسم حدود “الأرض الموعودة” خارج فلسطين التاريخية.

وتطرح هذه القراءة تساؤلات حول طبيعة الانفتاح الذي تشهده السعودية، وما إذا كان فتح البلاد أمام باحثين ووفود دينية وسياحية أجنبية يمكن أن يتحول إلى مدخل لإنتاج روايات تاريخية وجيولوجية تستخدم لاحقاً لتبرير ادعاءات سياسية وعقائدية بشأن أراضٍ سعودية.

وتبرز في هذا السياق قصة جيولوجي إسرائيلي يدعى “غيو جانو”، دخل السعودية حديثا بجواز سفر أجنبي، وقطع البلاد من جنوبها إلى شمالها باتجاه الحدود الأردنية، موثقاً رحلته بالكاميرا تحت غطاء البحث في التضاريس والجيولوجيا والطبوغرافيا.

وأثارت الزيارة سؤالاً أساسياً حول طبيعة الأهداف الحقيقية لهذه الرحلة، وما إذا كانت الأبحاث الجيولوجية والطبوغرافية تمثل نشاطاً علمياً منفصلاً، أم أنها يمكن أن تدخل ضمن محاولات أوسع للبحث عن أدلة تاريخية أو جغرافية تخدم سردية “الحق” الإسرائيلي في أجزاء من الجزيرة العربية.

وتربط هذه القراءة بين نشاط الباحثين والآثاريين وبين مواقف سياسية إسرائيلية تتحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن مفهوم “إسرائيل الكبرى”.

ففي أغسطس/آب 2025، سُئل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر قناة i24 عما إذا كان يشعر بارتباط برؤية “إسرائيل الكبرى”، فأجاب بالإيجاب، قبل أن يتحدث عن حدود الدولة التي يرى أنها تنسجم مع هذه الرؤية.

وفي فبراير/شباط 2026، نُسب إلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قوله إنه لا يرى مانعاً من “استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها”، مستنداً إلى ما وصفه بـ”حق توراتي يمتد من النيل إلى الفرات”.

وسبق ذلك في مارس/آذار 2023 ظهور وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في باريس أمام منصة تحمل خريطة لـ”أرض إسرائيل”، تضمنت فلسطين التاريخية والأردن وسوريا وأجزاء من السعودية ضمن الحدود المرسومة عليها.

وتقدم هذه المواقف، خلفية سياسية وأيديولوجية لمحاولات البحث عن أدلة تاريخية في الجزيرة العربية، خصوصاً أن بعض الباحثين الإسرائيليين يربطون بين الاكتشافات الأثرية وبين روايات عن وجود ممالك أو جماعات يهودية في المنطقة قبل الإسلام.

وكان تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” عام 2017 بعنوان “قبل الإسلام: عندما كانت السعودية مملكة يهودية”، استند إلى نقوش عربية قديمة عُثر عليها قرب بئر حِماء شمال نجران، وربطها برواية عن “مملكة حِمْير اليهودية”.

كما أن بعض التفسيرات سعت إلى تقديم اللغة العربية باعتبارها خرجت من رحم العبرية، والتشكيك في الصورة التقليدية للتاريخ العربي قبل الإسلام، وصولاً إلى الادعاء بأن الجزيرة العربية عرفت التوحيد اليهودي قبل ظهور الإسلام بقرون.

وسبق أن استخدمت دراسة إسرائيلية نشرت في أبريل/نيسان 2026 بقيادة دورون بن عامي، التأريخ بالكربون المشع لحصون “عين حتسيفا” و”تل الخليفة”، وخلصت، إلى أن “مملكة إسرائيل التوراتية” سيطرت على طرق التجارة المؤدية إلى جنوب الجزيرة العربية قبل نحو 2800 عام.

ويرتبط ذلك باكتشاف بذور حبوب، اعتُبرت دليلاً على أن إسرائيل، وليس آشور، كانت تسيطر على البوابة الجنوبية المؤدية إلى الجزيرة العربية.

ولا تتوقف هذه المحاولات، عند الدراسات الأكاديمية، بل تمتد إلى الجانب العقائدي من خلال تحويل بعض المواقع الجغرافية إلى أماكن ذات دلالات دينية وتوراتية.

ويبرز جبل اللوز شمال غربي السعودية بوصفه أبرز هذه المواقع، بعدما طرح الباحث الإنجيلي الأمريكي تشارلز ويتاكر عام 2003 نظرية تزعم أن الجبل هو “جبل سيناء الحقيقي” الذي تحدث الله فيه إلى موسى، وليس الموقع المعروف في مصر.

وتزعم النظرية وجود بقايا حجرية تمثل “مذبح العجل الذهبي”، إلى جانب نقوش صخرية اعتُبرت آثاراً لعبادة العجل، وصخرة متصدعة قيل إنها تمثل “صخرة حوريب” التي ضربها موسى بعصاه فانفجر منها الماء.

ودفعت هذه الروايات وفوداً إلى زيارة جبل اللوز، خصوصاً بعد لقاء محمد بن سلمان وفداً إنجيلياً عام 2019، عبر شركة إسرائيلية تدعى “Living Passages”، والتي تسوق رحلات إلى المنطقة تحت عناوين دينية وتاريخية، تتضمن المبيت وتسلق القمة وزيارة مواقع تطلق عليها أسماء مثل “كهف إيليا” و”هضبة الشيوخ السبعين”.

لكن التقاطع بين الباحث اليهودي والإنجيلي في هذه المواقع لا يعني بالضرورة تطابق الدوافع، إذ يبحث الأول، عن إثباتات تاريخية تخدم فكرة “الأرض الموعودة”، بينما يبحث الثاني عن مؤشرات يراها مرتبطة بنبوءات دينية حول عودة اليهود إلى الأرض.

وتطرح هذه التحركات سؤالاً أوسع حول ما قد ينتج عن الانفتاح والتطبيع، إذ لا تقتصر آثارهما، على التجارة والسياحة والدبلوماسية، بل قد تفتح المجال أمام دخول روايات تاريخية وعقائدية تسعى إلى إعادة تفسير جغرافية المنطقة وحدودها.

وعليه تتصاعد التحذيرات من أن الزيارات التي تبدأ اليوم تحت عناوين البحث العلمي أو الحج الديني قد تتحول، في المستقبل، إلى أدوات لإنتاج سرديات تدّعي ملكية تاريخية لأراضٍ داخل الجزيرة العربية، بما يجعل المعركة، تشمل محاولة تفسير الماضي ومن يملك حق رسم خريطته.

شارك هذا المقال على: