بحث في المقالات

رئيسي

تحقيق لوول ستريت جورنال: مشروع نيوم مجرد رقصة من الوهم المتبادل

بواسطة سعودي ليكس 20 أغسطس، 2026 التعليقات: 0
تحقيق لوول ستريت جورنال: مشروع نيوم مجرد رقصة من الوهم المتبادل

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، في تحقيق مصور يستند إلى شهادات موظفين سابقين ووثائق مالية داخلية وصور أقمار اصطناعية، جانباً من الأسباب التي دفعت مشروع نيوم إلى الانتقال من مرحلة الوعود العملاقة إلى تقليص بعض مشاريعه وتباطؤ أعمال البناء في أخرى.

وقالت الصحيفة أن قصة مشروع نيوم يعبر عما يمكن وصفه بـ”رقصة من الوهم المتبادل” بين رؤية فائقة الطموح وبيئة تنفيذ لم تملك القدرة أو الجرأة على مواجهة صاحب القرار بحجم الصعوبات الواقعية.

ويركز تحقيق الصحيفة على فجوة واسعة بين التصورات التي حملها ولي العهد محمد بن سلمان لمشروع نيوم وبين التقييمات الفنية والمالية والتنفيذية التي كانت تتطلبها تلك التصورات، في ظل شهادات تشير إلى أن المحيطين به لم يقدموا في مراحل حاسمة اعتراضاً صريحاً يقول إن بعض الأهداف الموضوعة تتجاوز حدود الزمن والكلفة والقدرة العملية على التنفيذ.

وأظهر التحقيق أن المشكلة لم تكن في الطموح وحده، بل في الطريقة التي جرى بها تحويل الطموح إلى أرقام وخطط تنفيذ، حيث كلما اصطدمت التصورات بالواقع الهندسي أو المالي، بدا أن النظام الإداري للمشروع يميل إلى إعادة صياغة التوقعات والأرباح المستقبلية بدلاً من إعادة النظر في جدوى الفكرة نفسها.

وكان مشروع “ذا لاين” التعبير الأكثر وضوحاً عن هذه الفجوة. فقد طُرحت المدينة في البداية باعتبارها مشروعاً عمرانياً غير مسبوق يمتد لنحو 170 كيلومتراً، فيما كانت الخطط تتطلب تشييد بنية هائلة في منطقة صحراوية تفتقر إلى كثير من مقومات البناء التقليدية من طرق وموانئ وطاقة وقوى عاملة.

وأظهرت وثائق وشهادات نقلتها الصحيفة أن تقديرات التنفيذ بدت في نظر بعض العاملين السابقين شديدة التفاؤل، فيما استمر دفع المشروع إلى الأمام رغم التحفظات المتعلقة بالكلفة والجدول الزمني.

ووفق تحقيق الصحيفة، لم يكن الموظفون والمستشارون يتعاملون دائماً مع رؤية قابلة للنقاش والتعديل بقدر ما كانوا يعملون داخل منظومة تسعى إلى إيجاد الأرقام التي تجعل الرؤية ممكنة على الورق.

وهنا بدأت “رقصة الوهم المتبادل”: رؤية تريد المستحيل، ومؤسسات تنفيذية تحاول إثبات أن المستحيل قابل للتحقيق، حتى عندما كانت الوقائع المالية تشير إلى اتجاه مختلف.

وكشفت وثائق داخلية اطلعت عليها الصحيفة أن بعض المشاريع واجهت تضخماً كبيراً في التكاليف، بينما جرى في حالات معينة رفع تقديرات الإيرادات المستقبلية لتحسين مؤشرات العائد على الاستثمار.

وفي مشروع تروجينا، على سبيل المثال، أشارت مراجعة داخلية إلى ارتفاع كبير في التكاليف، ما دفع إلى تعديل تقديرات العوائد وأسعار الإقامة في بعض المنشآت المخطط لها من أجل تحسين الصورة المالية للمشروع على الورق.

وتحولت المشكلة تدريجياً من سؤال “كيف نبني نيوم؟” إلى سؤال أكثر إلحاحاً: “كيف يمكن تمويل كل ما جرى الإعلان عنه؟”. فالمشروع لم يكن قائماً في فراغ، بل جزءاً من قائمة واسعة من المشروعات العملاقة المرتبطة برؤية 2030، بما في ذلك تطوير الرياض، ومشاريع سياحية وترفيهية، واستثمارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التزامات ضخمة مرتبطة باستضافة أحداث دولية كبرى.

وأشارت تقارير لاحقة لصحيفة وول ستريت جورنال إلى أن السعودية بدأت بالفعل إعادة ترتيب أولويات عدد من هذه المشاريع، في ظل ضغوط التمويل واتساع الفجوة بين حجم الالتزامات والطاقة المالية المتاحة.

وظهر ذلك بوضوح في نيوم، حيث جرى تقليص خطط بعض المشاريع، بينما شهدت مشاريع أخرى إلغاء عقود أو تباطؤاً في أعمال البناء بعد سنوات من الإنفاق والتحضير.

وتبرز قصة تروجينا بصورة خاصة حجم التناقض بين الرؤية والواقع. فالمشروع الصحراوي الذي كان من المفترض أن يتحول إلى منتجع شتوي ضخم يضم منشآت للتزلج واجه عقبات إنشائية وتكاليف متصاعدة، قبل أن تشير تقارير الصحيفة في مارس/آذار 2026 إلى إلغاء عقود بناء رئيسية مرتبطة به، رغم أن أعمالاً ضخمة كانت قد أُنجزت بالفعل.

أما “ذا لاين”، فقد تحول هو الآخر إلى رمز لهذا التراجع. فقد أظهرت تقارير الصحيفة أن أعمال الحفر والبنية التحتية سبقت في بعض المراحل حجم المشروع الذي تقرر لاحقاً تنفيذه، ما جعل جزءاً من الإنفاق المبكر يبدو منفصلاً عن النسخة المصغرة التي بدأت الخطط تميل إليها.

وتحدثت تقارير أخرى عن تباطؤ واسع في المشروع وترك مساحات ضخمة من أعمال الحفر في الصحراء، في صورة تختصر المسافة بين الإعلان عن “مدينة المستقبل” والاصطدام بكلفة المستقبل نفسه.

ولا يعني ذلك أن مشروع نيوم قد انتهى، كما لا تعني إعادة الهيكلة أو إلغاء بعض العقود التخلي الكامل عن المشروع. لكن تحقيق وول ستريت جورنال يرسم صورة مختلفة تماماً عن الرواية الترويجية التي رافقت المشروع لسنوات.

فالمشكلة، وفق الشهادات والوثائق التي استندت إليها الصحيفة، لم تكن مجرد تأخير عادي في مشروع ضخم، بل تراكم قرارات وتصميمات وجداول زمنية وتقديرات مالية بُنيت على افتراض أن الإرادة السياسية والتمويل الضخم قادران على تجاوز قوانين الهندسة والاقتصاد.

وفي هذا المعنى، تبدو قصة نيوم أقرب إلى رقصة طويلة بين وهمين: وهم القيادة بأن الرؤية، مهما بلغت غرابتها، يمكن أن تتحول إلى واقع لمجرد صدورها من أعلى هرم السلطة؛ ووهم المحيطين بها بأن بالإمكان الاستمرار في إنتاج الدراسات والأرقام والنماذج التي تمنح تلك الرؤية مظهراً منطقياً.

لكن الصحيفة تخلص، من خلال تتبع الوثائق وشهادات العاملين السابقين وتطور المشاريع على الأرض، إلى أن الواقع بدأ في النهاية فرض شروطه. فالمشاريع يمكن تقليصها، والعقود يمكن إلغاؤها، والرسومات المبهرة يمكن إعادة تصميمها، لكن الأموال والمواد والوقت لا يمكن إخضاعها بالقدر نفسه للرغبات السياسية.

وهكذا، تحولت نيوم من مشروع قُدّم باعتباره نموذجاً لمدينة تتحدى المستحيل، إلى اختبار قاسٍ لحدود الطموح عندما يغيب الصوت القادر على قول الحقيقة لصاحب الرؤية قبل أن تتحول الرؤية نفسها إلى فاتورة هائلة.

شارك هذا المقال على: