مهاجرون معتقلون في سجون السعودية يعانون من جحيم لا يطاق
في ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى السعودية بشأن أوضاع المهاجرين المحتجزين، كشفت شهادات لمهاجرين إثيوبيين يقبعون داخل السجون السعودية عن ظروف احتجاز وصفوها بأنها “جحيم لا يطاق”.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحذيرات من الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء المهاجرين في السعودية، بما يشمل الاكتظاظ الشديد، وسوء الأوضاع المعيشية، وغياب الضمانات القانونية الأساسية.
ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن عدد من السجناء الإثيوبيين المحكوم عليهم بالإعدام أنهم تمكنوا من التواصل مع خدمتها الناطقة بلغة تيغرينيا عبر هاتف داخل السجن، في محاولة لإيصال معاناتهم إلى العالم، بعدما قالوا إنهم يعيشون في ظروف إنسانية قاسية ويخشون تنفيذ الأحكام بحقهم.
وبحسب التقرير، تحدثت “بي بي سي” مع سبعة سجناء من بين عشرات الإثيوبيين المحتجزين، بينما تشير تقديرات إلى أن عدد المحكوم عليهم بالإعدام من الجنسية الإثيوبية قد يصل إلى نحو 200 شخص داخل السجون السعودية.
وركز السجناء في شهاداتهم على الظروف اليومية التي يعيشونها داخل أماكن الاحتجاز، مؤكدين أن الاكتظاظ بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث تضم الزنزانة الواحدة نحو 200 سجين، رغم أنها مصممة لاستيعاب 90 فقط، ما يضطر غالبية النزلاء إلى النوم على الأرض دون أسرة أو أغطية مناسبة.
وأوضح عدد من السجناء أن غياب المستلزمات الأساسية دفعهم إلى استخدام أكياس القمامة كأغطية خلال الليل، في ظل برودة الزنازين ونقص البطانيات، بينما لا يُفتح باب الزنزانة سوى مرة واحدة يومياً لإدخال الطعام، وفق رواياتهم.
وأضاف المحتجزون أن الحركة داخل الزنازين تكاد تكون معدومة بسبب الاكتظاظ، وأنهم يقضون ساعات طويلة في أماكن مغلقة تفتقر إلى التهوية الكافية، الأمر الذي يزيد من معاناتهم الصحية والنفسية، وسط محدودية الخدمات الطبية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
وأشار التقرير إلى أن السجناء وصفوا أوضاعهم بأنها تتجاوز مجرد الاحتجاز، معتبرين أنهم يعيشون في ظروف “غير إنسانية” لا تراعي الحد الأدنى من معايير معاملة السجناء، وفق ما نقلته “بي بي سي”.
وفي السياق نفسه، وثقت منظمات حقوقية ما قالت إنه غياب واسع لضمانات المحاكمة العادلة بالنسبة إلى عدد من المهاجرين المحتجزين، مشيرة إلى أنهم يواجهون إجراءات قضائية معقدة دون تمكينهم من الحصول على محامين أو الاطلاع على ملفات قضاياهم بصورة كافية.
وأفادت منظمة العفو الدولية بأن عدداً من المحتجزين أكدوا أنهم لم يحصلوا على تمثيل قانوني خلال مراحل التحقيق أو المحاكمة، فيما كانت خدمات الترجمة، عند توفرها، محدودة وغير كافية لضمان فهمهم الكامل للإجراءات القضائية.
كما أشارت المنظمة إلى أن حق الاستئناف، رغم وجوده من الناحية القانونية، يصبح عملياً غير قابل للممارسة بالنسبة إلى كثير من السجناء في ظل غياب المحامين وعدم قدرتهم على متابعة ملفاتهم القضائية.
وروى أحد السجناء أنه أُجبر على توقيع وثيقة مكتوبة باللغة العربية تتضمن إقراراً بالحكم الصادر بحقه، رغم أنه لا يفهم مضمونها، وهي رواية قال التقرير إنها تكررت لدى عدد آخر من السجناء الذين تحدثوا إلى “بي بي سي”.
وتشير بيانات نقلها التقرير إلى تصاعد ملحوظ في عدد الإثيوبيين الذين نُفذت بحقهم أحكام الإعدام خلال العام الجاري، إذ بلغ العدد 17 شخصاً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بينهم خمسة أشخاص أُعدموا في يوم واحد، وهو أعلى رقم مسجل بين الجنسيات غير السعودية خلال الفترة نفسها.
وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن عدد الإثيوبيين الذين أُعدموا في السعودية عام 2023 لم يتجاوز شخصين، قبل أن يرتفع إلى 35 شخصاً خلال عام 2025، في زيادة ربطتها المنظمة بتنامي الهجرة من إقليم تيغراي الإثيوبي عقب الحرب الأهلية، إلى جانب توسع السلطات السعودية في تطبيق عقوبة الإعدام في قضايا تتعلق بالمخدرات.
وأثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة لدى منظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن أوضاع المهاجرين داخل السجون السعودية تستدعي تحقيقات مستقلة، خصوصاً في ظل استمرار ورود شهادات عن الاكتظاظ وسوء التغذية وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية وغياب التواصل المنتظم مع العالم الخارجي.
ويرى حقوقيون أن ظروف الاحتجاز التي يصفها السجناء تكشف جانباً آخر من معاناة المهاجرين غير النظاميين داخل السعودية، إذ لا تقتصر الأزمة على الإجراءات القضائية، وإنما تمتد إلى البيئة المعيشية داخل السجون، والتي يقولون إنها لا تستوفي المعايير الدولية الخاصة بمعاملة المحتجزين.
وتتزامن هذه الشهادات مع استمرار تدفق المهاجرين الإثيوبيين إلى السعودية عبر طرق الهجرة غير النظامية، حيث يسلك كثير منهم مسارات خطرة مروراً باليمن بحثاً عن فرص عمل، قبل أن يجد عدد منهم أنفسهم في مراكز الاحتجاز أو السجون بعد توقيفهم.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه مناشدات السجناء عبر وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، دعت جهات حقوقية إلى تحسين أوضاع الاحتجاز وضمان توفير ظروف إنسانية للمهاجرين المحتجزين، بما يشمل الحد من الاكتظاظ، وتوفير الرعاية الطبية، وضمان الوصول إلى المساعدة القانونية، واحترام المعايير الدولية الخاصة بحقوق السجناء والمحتجزين.
