الحرب مع إيران تكشف مأزق السعودية وتضاعف الضغوط على مشروع محمد بن سلمان
رأت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن انخراط السعودية عسكرياً في الحرب المرتبطة بإيران يكشف حجم مأزق المملكة بعد أشهر من محاولات تجنب الانجرار إلى الصراع، معتبرة أن الضغوط الأمنية والاقتصادية المتصاعدة وضعت الرياض أمام معادلة معقدة تهدد استقرارها الداخلي وطموحاتها الاقتصادية.
وقالت الصحيفة إن السعودية دخلت على خط المواجهة عبر تنفيذ غارات جوية داخل العراق، بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، في خطوة اعتبرها محللون دليلاً على أن سياسة ضبط النفس التي تبنتها الرياض لم تعد كافية لاحتواء التهديدات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية.
وأعلنت وزارة الدفاع السعودية تنفيذ الضربات، متهمة جماعات عراقية مدعومة من إيران بالوقوف وراء الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية خلال الأيام الماضية، بينما قال مجلس الأمن الوطني العراقي إن الغارات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، ووصف رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي الهجمات بأنها “عدوان غير مقبول”.
ورغم مشاركة المملكة في العمليات العسكرية، أشارت نيويورك تايمز إلى أن الخطاب الرسمي السعودي حرص على تقديم الضربات باعتبارها رداً دفاعياً محدوداً، وليس انضماماً كاملاً إلى الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وقالت الصحيفة إن هذا الخطاب يعكس حجم المعضلة التي تواجهها القيادة السعودية، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء تفاهمات مع إيران لخفض التوتر وتأمين الاستقرار الإقليمي، قبل أن تؤدي الحرب إلى تقويض تلك الجهود وإعادة المملكة إلى دائرة المواجهة.
وأضافت أن الحرب نسفت رهانات الرياض على الدبلوماسية، بعدما تحولت السعودية مجدداً إلى هدف للهجمات المرتبطة بالصراع، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر استهداف منشآتها النفطية، وهو ما فرض على القيادة السعودية إعادة حساباتها الأمنية.
ورأت نيويورك تايمز أن الهجمات الأخيرة كشفت محدودية قدرة السعودية على تحييد التهديدات التي تستهدف منشآتها النفطية، رغم الاستثمارات العسكرية الضخمة التي خصصتها المملكة على مدى سنوات لتعزيز قدراتها الدفاعية.
واعتبرت الصحيفة أن استمرار تعرض البنية التحتية النفطية للهجمات يسلط الضوء على التحديات التي تواجه منظومة الردع السعودية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الواقع يضع المملكة أمام اختبار صعب، لأن قطاع النفط لا يزال يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الميزانية، فيما يؤدي أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير إلى انعكاسات مباشرة على الاقتصاد السعودي وخطط الإنفاق الحكومي.
ولفت التقرير إلى أن الحرب تهدد أيضاً المشروع الاقتصادي الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان، والهادف إلى تحويل السعودية إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والأعمال ضمن رؤية المملكة 2030.
وبحسب الصحيفة، فإن استمرار التوتر العسكري في الخليج والبحر الأحمر يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين، ويزيد من حالة عدم اليقين بشأن البيئة الاستثمارية، وهو ما قد ينعكس على قدرة المملكة في جذب رؤوس الأموال الأجنبية التي تراهن عليها لتنفيذ مشاريعها العملاقة.
وأضافت نيويورك تايمز أن التصعيد الأخير فرض كذلك ضغوطاً إضافية على صادرات النفط السعودية، في ظل المخاطر التي تهدد حركة الملاحة ومسارات التصدير، الأمر الذي يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام أي تصعيد عسكري جديد.
كما رأت الصحيفة أن القيادة السعودية تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين حماية أمنها القومي وتجنب الانخراط الكامل في الحرب، وهي معادلة أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار الهجمات وتصاعد التوتر في عدة جبهات.
وأشارت إلى أن المملكة دخلت خلال الفترة الأخيرة أيضاً في مواجهة متجددة مع جماعة الحوثي في اليمن، بعد إعلان الجماعة مسؤوليتها عن هجمات داخل الأراضي السعودية، إضافة إلى إعلانها فرض حصار على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر، وهو ما وسع دائرة الضغوط الأمنية التي تواجهها الرياض.
ورأت الصحيفة أن هذه التطورات أعادت إلى الواجهة المخاوف من تكرار سيناريوهات الاستنزاف التي واجهتها السعودية خلال سنوات الحرب في اليمن، وهي التجربة التي وصفتها بأنها تحولت إلى عبء سياسي وعسكري وإنساني، وأثارت انتقادات دولية واسعة للمملكة.
كما لفتت إلى وجود تباينات متزايدة بين الرياض وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إدارة أمن المنطقة، وهو ما يزيد من تعقيد الموقف السعودي في ظل اعتماد المملكة على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن عبد العزيز الغشيان، الزميل البارز غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، قوله إن القيادة السعودية ربما خلصت إلى أن استمرار إحجامها عن الرد العلني على الهجمات قد يُفسر من قبل خصومها على أنه ضعف أو قبول بالأمر الواقع، ما دفعها إلى توجيه رسالة مفادها أن استهداف المملكة ستكون له كلفة.
من جانبه، اعتبر اللواء السعودي المتقاعد فيصل الحمد أن الضربات تهدف إلى رسم “خطوط حمراء واضحة” لردع أي هجمات جديدة، بينما رأى حسن الحسن، الزميل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن العملية تحمل أيضاً رسالة إلى إيران بأن استمرار التصعيد قد يدفع الرياض إلى تعزيز اصطفافها مع الولايات المتحدة.
وخلصت نيويورك تايمز إلى أن السعودية تقف اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، إذ تواجه في الوقت نفسه تهديدات أمنية متزايدة، وضغوطاً على قطاعها النفطي، ومخاطر تهدد مشروعها الاقتصادي، في وقت لم تعد فيه سياسة التهدئة مع إيران قادرة على توفير الحماية التي كانت الرياض تراهن عليها.
