بحث في المقالات

فضائح السعودية

توالي فضائح السعودية في التجسس يرفع منسوب القلق في واشنطن ويترقب تداعيات كبيرة

بواسطة سعودي ليكس 15 أكتوبر، 2026 التعليقات: 0
توالي فضائح السعودية في التجسس يرفع منسوب القلق في واشنطن ويترقب تداعيات كبيرة

تتجه قضية اعتقال المهندس السعودي عبد الرحمن الفوزان في الولايات المتحدة إلى التحول من ملف جنائي يتعلق بمحاولة التنصت داخل شركة «أوبن إيه آي» إلى أزمة أوسع تمس التعاون الأميركي السعودي في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصاً إذا ثبت في واشنطن تورط الحكومة السعودية في العملية.

ووفقاً لتحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، فإن اعتقال الفوزان يمثل إحراجاً بالغاً للسعودية، وقد تترتب عليه تداعيات كبيرة على التعاون بين البلدين في مجال التقنيات المتقدمة. وأشاد المجلس بإبلاغ شركة «أوبن إيه آي» عن الواقعة، وبالتحرك السريع لوزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

وتأتي القضية في وقت أصبحت فيه مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية هدفاً رئيسياً لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، بسبب امتلاكها أكثر التقنيات قيمة وحساسية في العالم. ويرى مجلس العلاقات الخارجية أن على هذه المختبرات تعزيز أمنها السيبراني والمادي بصورة جذرية وسريعة، وتكثيف جهودها للكشف عن التهديدات الداخلية.

وبحسب المجلس، ينبغي اتخاذ إجراءات مماثلة لحماية أي بنية تحتية تستضيف أوزان نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهي البيانات الأساسية التي تحدد كيفية عمل هذه النماذج. ورغم أن محاولة التجسس المنسوبة إلى الفوزان تبدو بدائية إلى حد كبير، فإن محاولات أخرى ستكون أكثر تطوراً، ومن المرجح أن بعضها يجري بالفعل.

وتتعامل وزارة العدل الأميركية مع القضية باعتبارها مسألة مكافحة تجسس، وهو مجال يرتبط عادة بأنشطة الحكومات الأجنبية. ويشير بيان الوزارة إلى أن الملاحقة القضائية تجري بمساعدة قسم مكافحة التجسس والرقابة على الصادرات التابع لشعبة الأمن القومي في وزارة العدل.

ويشير هذا التصنيف إلى أن القضية لا تُعامل باعتبارها مجرد محاولة لسرقة أسرار تجارية، إذ إن الملاحقة في حالات التجسس التجاري عادة ما تدعمها الشعبة الجنائية في وزارة العدل.

وتربط عبد الرحمن الفوزان علاقات بالسعودية والحكومة السعودية والعائلة المالكة. فإلى جانب حمله الجنسية السعودية، يشغل منصب شريك استثماري في شركة «رائد فنتشرز»، وهي شركة سعودية لرأس المال الجريء تضم قائمة مستثمريها عدة صناديق مملوكة للحكومة السعودية. كما يشغل الأمير خالد بن بدر آل سعود، أحد أفراد العائلة المالكة، منصب شريك استثماري آخر في الشركة.

ويقول مجلس العلاقات الخارجية إنه إذا ثبت أن الفوزان كان يتصرف بالتنسيق مع الحكومة السعودية، فسيكون من الصعب على أي شركة أميركية استضافة نموذج ذكاء اصطناعي متقدم في السعودية. فإذا كانت أجهزة الاستخبارات السعودية تتجسس على شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية داخل الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تراقب عن كثب ما تفعله هذه المختبرات داخل السعودية، وقد تتمكن من الوصول إلى أوزان النماذج المستضافة هناك.

ولا تمثل أوزان النماذج ملكية فكرية بالغة القيمة فحسب، بل توفر أيضاً قدرات دفاعية واستخباراتية تتزايد أهميتها، بما يجعلها أصولاً استراتيجية على المستوى الوطني. ومن هنا، يرى المجلس أن حماية قدرات الذكاء الاصطناعي الأميركية من التجسس الأجنبي هي السبب الذي دفع وزارة العدل إلى توجيه الاتهام إلى الفوزان.

وتزداد حساسية القضية بسبب علاقات السعودية المستمرة مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد أفادت تقارير حديثة بأن شركة «هيوماين»، المشروع الوطني السعودي الرائد في هذا المجال، تعمل على تطوير نموذجها الخاص بالاعتماد على نموذج صيني مفتوح المصدر من شركة «ميني ماكس»، وتستخدم رقائق أميركية لتدريبه، فيما تتمتع شركة «هواوي» الصينية بحضور واسع في السعودية.

ويرى المجلس أنه إذا ثبت تورط الحكومة السعودية، خصوصاً في ظل المخاوف المستمرة بشأن علاقاتها مع الصين، فلن يكون أمام واشنطن خيار سوى إعادة النظر فوراً في علاقتها مع الرياض في هذا المجال.

وكانت وزارة التجارة الأميركية قد وافقت العام الماضي على إصدار تراخيص لتصدير 35 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي من طراز «بلاكويل»، التي تنتجها شركة «إنفيديا»، إلى السعودية. لكن التحليل يرى أنه إذا لم يكن بوسع الولايات المتحدة الوثوق بالسعودية في حماية النماذج الأميركية المستضافة لديها من السرقة، فلن يكون لبيعها رقائق الذكاء الاصطناعي معنى، خصوصاً أنها تستخدم هذه الرقائق حالياً لإجراء عمليات الضبط الدقيق لنماذج صينية.

ويحذر المجلس من أن سرقة نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية بالتزامن مع بناء منظومة الذكاء الاصطناعي السعودية اعتماداً على نماذج صينية، ستكون النقيض تماماً لدعم المنظومة التكنولوجية الأميركية. ولذلك، فإن ثبوت تورط الحكومة السعودية سيجعل من الضروري فرض عواقب سياسية وتقنية.

كيف جرى اعتقال الفوزان؟

ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الفوزان دخل الأسبوع الماضي قاعة اجتماعات داخل أحد مباني «أوبن إيه آي» في سان فرانسيسكو، وألقى نظرة خلف جهاز تلفزيون مثبت على الحائط.

وقال ممثلو الادعاء الفيدرالي إن الفوزان أمضى أسابيع في استطلاع القاعة ومراقبتها، وهي قاعة لا يُسمح بحجزها إلا لكبار المسؤولين التنفيذيين ومساعديهم، وكانت تستخدم لعقد اجتماعات القيادة وتقديم إحاطات لمسؤولين حكوميين وشركاء تجاريين ومناقشة أبحاث ومنتجات شديدة السرية.

وقالت وزارة العدل الأميركية إن الفوزان، الذي عمل في فريق المنتجات في «أوبن إيه آي» لأكثر من عام، كان يخطط للتنصت على المحادثات التي تجري داخل القاعة.

ويواجه المهندس السعودي، البالغ من العمر 35 عاماً، اتهامات بلف لوحة إلكترونية صغيرة، بحجم إصبع الإبهام، ومزودة بميكروفون، بورق مرحاض، ثم توصيل الجهاز بمنفذ «يو إس بي» خلف التلفزيون المثبت على الحائط، في أواخر سبتمبر/أيلول.

وبعد أن عثرت «أوبن إيه آي» على الجهاز المخفي، أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي. ووضع المحققون كاميرا داخل القاعة، وسجلت يوم الاثنين الماضي لقطات قال ممثلو الادعاء إنها تظهر الفوزان وهو ينظر خلف التلفزيون.

وكان جهاز التنصت واحداً من جهازي تسجيل مشفرين مرتبطين بالفوزان، عُثر عليهما داخل مكاتب الشركة. أما الجهاز الثاني، فعُثر عليه داخل حقيبة تركها المشتبه به من دون مراقبة، قبل أن يبلغ لاحقاً عن فقدانها ويتوجه لاستعادتها من قسم المفقودات في الشركة. ولم يعلق محامي الفوزان فوراً على القضية.

وتبرز القضية، بحسب «وول ستريت جورنال»، مخاطر التهديدات الداخلية التي تواجه شركات وادي السيليكون، بعدما حذرت هذه الشركات موظفيها طويلاً من محاولات جهات معادية سرقة أسرارها التجارية.

وفي وقت سابق من العام، وُجهت اتهامات إلى موظف سابق في «غوغل» بسرقة أسرار تجارية تتعلق بهواتف «بيكسل»، فيما أُدين موظف في «تويتر» بالتجسس لصالح السعودية عام 2022.

وقال ممثلو الادعاء إن الموظف أحمد أبو عمو سلّم معلومات خاصة عن مستخدمين ينتقدون المملكة مقابل مئات الآلاف من الدولارات. لكن محاميه قالوا خلال المحاكمة إنه كان يؤدي عمله المعتاد في «تويتر»، وإن الحكومة لم تقدم أدلة كافية لإثبات الاتهامات المتعلقة بمشاركته في مخطط لتزويد مسؤولين سعوديين بالمعلومات.

وكان الفوزان قد درس في الولايات المتحدة، ويحمل إقامة دائمة قانونية فيها منذ سبتمبر/أيلول 2020. وانضم إلى «أوبن إيه آي» في يوليو/تموز 2025، بعد سنوات من العمل في شركة «ناش» الناشئة للخدمات اللوجستية، ومقرها سان فرانسيسكو، والمدعومة من شركة رأس المال الاستثماري «أندريسن هورويتز».

وقبل ذلك، عمل مهندس أنظمة أول في شركة «ميتا بلاتفورمز» لعدة سنوات، وخاض فترات تدريب لدى «مايكروسوفت» و«ساب»، وفقاً لملفه الشخصي على «لينكد إن». ويُدرج اسمه حالياً شريكاً استثمارياً في شركة «رائد» السعودية، بحسب موقع الشركة وحسابه على «لينكد إن».

ولم ترد شركات «ناش» و«مايكروسوفت» و«رائد» فوراً على طلبات التعليق، فيما امتنعت «ميتا» و«ساب» عن التعليق.

وقال ممثلو الادعاء إن الفوزان بدأ في أواخر الصيف الماضي باستخدام أداة ذكاء اصطناعي داخلية للاستفسار عن مباني «أوبن إيه آي» وقاعات الاجتماعات وجداول المواعيد.

وأجرى في منتصف سبتمبر/أيلول عدة استفسارات عن قاعات الاجتماعات، من بينها: «هل يمكنك عرض اجتماعات اليوم في هذه القاعة؟» و«ماذا عن الشركاء الخارجيين، أين يعقدون اجتماعاتهم عادة؟».

وكتب أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في إفادة خطية أن هذه الاستفسارات تشير إلى أن الفوزان كان يبحث عن المكان المناسب لوضع جهاز التسجيل الأول.

وبحسب الشكوى الجنائية، استطلع الفوزان القاعة مراراً، وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة وجوده بالقرب منها عشر مرات على الأقل خلال سبتمبر/أيلول، رغم أنه لم يكن مخولاً بدخولها.

وكتب عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي أن زوجة الفوزان تبدو أنها ساعدته في محاولة التنصت المزعومة، إذ أُرسلت عبر حساب أحد روبوتات المحادثة المرتبط بها طلبات تتعلق بصناعة «جهاز تسجيل صوتي مستمر»، وتحسين الاستماع المباشر، واختبار موثوقية التسجيل.

وقال ممثلو الادعاء إن الفوزان ركّب الجهاز قرابة 28 سبتمبر/أيلول، وكان عبارة عن لوحة إلكترونية صينية الصنع، مزودة بمستشعر كاميرا قابل للفصل وميكروفون رقمي وبطاقة ذاكرة صغيرة، ووضعه خلف التلفزيون.

واكتُشف الجهاز خلال تفتيش أمني بعد نحو يومين. وقالت «أوبن إيه آي» إنها أزالته، وأغلقت القاعة، وأجرت عمليات تفتيش إضافية، ثم تواصلت مع مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وأضافت الشركة أنها استخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها للمساعدة في تحليل الجهاز، عبر فحص النسخ الجنائية الرقمية لمحتويات وحدة التخزين وتقييم التغييرات التي طرأت على البيانات المخزنة فيه.

وفي الاثنين الماضي، وهو اليوم نفسه الذي ظهر فيه الفوزان في تسجيل مصور وهو ينظر خلف التلفزيون، ترك حقيبة دون مراقبة داخل غرفة الطابعات، وكانت تحتوي على جهاز تسجيل ثانٍ.

وكتب عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الجهاز الثاني «عُدّل خصيصاً لإخفاء أي محتويات مخزنة عليه، مثل المحادثات الصوتية التي ربما جرى اعتراضها».

وفي عصر اليوم التالي، استعاد الفوزان حقيبته بعد إزالة جهاز التسجيل الثاني منها. وبحسب الإفادة، سأل عن أغراض قال إنها مفقودة من الحقيبة، بينها بطاقة ائتمان ونحو 500 دولار نقداً ونظارة شمسية، لكنه لم يسأل عن جهاز التسجيل.

وقالت «أوبن إيه آي» إنها نسقت مع مكتب التحقيقات الفيدرالي لتحديد توقيت فصل الفوزان من العمل واعتقاله بما يضمن عدم التأثير على التحقيق، وأضافت أنها اتخذت خطوات تدريجية لتقييد وصوله إلى أنظمة الشركة ومرافقها.

واعتُقل الفوزان يوم الجمعة، ووجهت إليه تهمة استخدام جهاز، أو محاولة استخدامه، لاعتراض المحادثات الشفهية والتنصت عليها.

وتترك القضية تداعيات محتملة على مستقبل التعاون الأميركي السعودي في الذكاء الاصطناعي، في ظل تشابك العلاقات السعودية مع الصين، وحساسية النماذج المتقدمة، وتزايد المخاوف الأميركية من انتقال التقنيات والمعرفة إلى منافسين استراتيجيين. لكن هذه التداعيات ستظل مرتبطة بإثبات ما إذا كان الفوزان تصرف بمبادرة شخصية، أم بتنسيق مع جهات سعودية رسمية.

شارك هذا المقال على: