بحث في المقالات

أخبار

انحدار إعلامي.. العربية السعودية تروّج للرواية الإسرائيلية بعد هبوط طائرة فلاي دبي في تبوك

بواسطة سعودي ليكس 5 أكتوبر، 2026 التعليقات: 0
انحدار إعلامي.. العربية السعودية تروّج للرواية الإسرائيلية بعد هبوط طائرة فلاي دبي في تبوك

كشفت التغطية التي قدمتها قناة “العربية إنجليزي” للحادثة التي تعرضت لها طائرة “فلاي دبي” المتجهة من دبي إلى تل أبيب، عن مساحة واسعة للتقاطع بين الخطاب الإعلامي السعودي والرواية الإسرائيلية، بعدما استضافت القناة الممولة سعودياً المتحدث الدولي باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقدمت له منصة مباشرة من القدس المحتلة، في وقت كانت فيه تفاصيل الحادث لا تزال قيد التحقيق.

واستضاف مذيع “العربية إنجليزي” دوران سبيلمان، المتحدث باسم مكتب نتنياهو، في مقابلة مباشرة، وحرص على توجيه الشكر إليه في بداية اللقاء ونهايته، قائلاً: “نقدّر حقًا تخصيصك الوقت للتحدث إلينا”.

ولم تكتف التغطية بعرض رواية الضيف، بل وصف المذيع حادثة الطائرة بأنها تكرار لأحداث 11 سبتمبر، وقدّمها باعتبارها واقعة “ضرب من الخيال يصعب تصديقه”، قبل أن يعرض رواية التدخل داخل قمرة القيادة وإنقاذ الطائرة.

وذهب الخطاب الإعلامي إلى الإشادة بالسعودية نفسها، إذ قال سبيلمان إن كل إسرائيلي “ممتن” للحكومة السعودية بسبب طريقة تعاملها مع الطائرة والركاب، مشيراً إلى أن السلطات السعودية لم تفرّق بين الركاب على أساس كونهم يهوداً أو إسرائيليين.

وبذلك ظهرت السعودية في الرواية المقدمة على الشاشة باعتبارها الطرف الذي أنقذ حياة إسرائيليين وحماهم، رغم أن الحادث وقع داخل أراضيها في ظروف استثنائية لا تزال تخضع للتحقيق.

وتكتسب هذه التغطية أهمية أكبر بسبب التوقيت السياسي للحادث. فقد وقع بعد ثلاثة أيام فقط من زيارة سرية أجراها نتنياهو إلى أبو ظبي، حيث التقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد في 27 سبتمبر ومسئولين عرب من بينهم سعوديين، قبل أن تؤكد السلطات الإماراتية الزيارة لاحقاً. وجاء اللقاء في وقت يواصل فيه نتنياهو تحركاته الإقليمية، بينما يستعد لخوض الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر.

وبعد ثلاثة أيام من زيارة نتنياهو، غادرت رحلة “فلاي دبي” رقم FZ1073 دبي متجهة إلى تل أبيب وعلى متنها 174 راكباً، غالبيتهم العظمى من الإسرائيليين.

وبعد نحو ساعتين ونصف من الإقلاع، تعرضت الطائرة لحالة طوارئ عنيفة، فقدت خلالها آلاف الأقدام من الارتفاع بصورة سريعة، قبل أن تعلن حالة الطوارئ وتحول مسارها نحو مدينة تبوك السعودية.

وأرسلت الطائرة رمز الطوارئ 7700، ثم الرمز 7500 المرتبط دولياً بالتدخل غير القانوني أو الاختطاف. وقال نتنياهو لاحقاً إن مساعد الطيار طعن قائد الطائرة وحاول على ما يبدو إسقاطها، فيما أفادت الرواية المتداولة بأن ركاباً وأفراداً من الطاقم تمكنوا من الوصول إلى قمرة القيادة والسيطرة على الموقف، قبل أن تهبط الطائرة بسلام في مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الدولي في تبوك.

وهكذا وجدت السعودية نفسها أمام مشهد غير مسبوق سياسياً: طائرة قادمة من الإمارات ومليئة بالإسرائيليين تهبط داخل أراضيها، في دولة لم تقم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.

وبحسب تقارير استندت إلى مصدر مطلع على التحقيق الإقليمي، كان بين الركاب الذين تدخلوا أثناء الحادث أفراد من قوات الأمن الإسرائيلية ومسؤولون في مجال الأمن الجوي.

وتشير هذه التفاصيل إلى أن السلطات السعودية اضطرت، في ظروف الطوارئ، إلى التعامل مباشرة مع مواطنين إسرائيليين، وربما مع أفراد أمن إسرائيليين، على الأراضي السعودية.

وبينما يمكن تفسير السماح للطائرة بالهبوط باعتبارات السلامة الجوية والالتزامات الدولية، فإن النتيجة السياسية بقيت استثنائية، إذ نشأت للمرة الأولى في هذا السياق مواجهة عملياتية مباشرة بين الأجهزة السعودية وركاب إسرائيليين بهذا الحجم.

لكن الرياض، حاولت في الوقت نفسه الحفاظ على حدود سياسية واضحة. فقد ورد أن إسرائيل سعت إلى إرسال طائرة خاصة إلى السعودية لنقل مواطنيها، إلا أن الطلب قوبل بالرفض، قبل أن ترسل “فلاي دبي” طائرة أخرى إلى تبوك لنقل الركاب إلى إسرائيل. ويعني ذلك أن السعودية سمحت للطائرة الإماراتية بالهبوط باعتبارها حالة طوارئ، لكنها لم تسمح بتحويل الحادث إلى عملية نقل مباشرة بواسطة طائرة إسرائيلية.

ومع ذلك، فإن التغطية الإعلامية السعودية للحادث حملت دلالة مختلفة. فبدلاً من إبقاء الحادث في إطاره الفني والقانوني إلى حين انتهاء التحقيقات، قدمت “العربية إنجليزي” مساحة واسعة للرواية الإسرائيلية، مع إشادة واضحة بالتعامل السعودي.

ويطرح ذلك سؤالاً حول حدود الدور الذي تلعبه المنصة الإعلامية السعودية في إعادة صياغة الأحداث التي تمس إسرائيل، خصوصاً عندما تكون الوقائع نفسها لا تزال قيد التحقيق.

ويزداد السؤال حساسية مع تصريحات نتنياهو السابقة للحادث. ففي 29 سبتمبر، أي قبل يوم واحد من الواقعة، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي من احتمال وقوع هجمات قبل الانتخابات، من دون أن يحدد طبيعة التهديد.

وفي الليلة نفسها تلقى زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إحاطة أمنية من نتنياهو، لكنه قال لاحقاً إن الإحاطة لم تتضمن أي شيء يشبه حادثة “فلاي دبي”، نافياً وجود أي مؤشر مسبق على الواقعة.

وسارع نتنياهو بعد الحادث إلى تقديم تفسيره الخاص، فقال إن مساعد الطيار طعن زميله وحاول على ما يبدو تحطيم الطائرة، ثم تحدث عن احتمال وجود دافع أيديولوجي متطرف، مشيراً لاحقاً إلى ما وصفه بـ”التلقين الفكري الإسلامي المتطرف”.

لكن الدافع ظل قيد التحقيق، فيما فتحت الإمارات تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان هناك تخطيط مسبق أو عمل إرهابي أو توجيه خارجي، وبدأت السعودية بدورها تحقيقاً في سلامة الطيران.

وهنا تبرز المشكلة الأساسية في التغطية: الفارق بين التحقيق في واقعة أمنية وبين بناء رواية سياسية حولها.

كما أن بيانات تتبع الرحلة، وإشارات الطوارئ، وإصابات الطيارين، وروايات الركاب، والتحقيقات السعودية والإماراتية، كلها تؤكد وقوع حالة طوارئ حقيقية، ما يجعل القفز إلى نظرية المؤامرة غير مدعوم بالأدلة المتاحة.

لكن غياب الدليل على افتعال الحادث لا يلغي الأسئلة السياسية التي أثارها. فقد جاءت الواقعة بعد زيارة نتنياهو السرية لأبو ظبي بثلاثة أيام، وعلى متن طائرة إماراتية تقل في غالبيتها إسرائيليين، وانتهت بهبوطها داخل السعودية، فيما كان التطبيع مع الرياض واحداً من أبرز الأهداف الإقليمية التي يسعى نتنياهو إلى تحقيقها.

وتكمن المفارقة في أن حادثاً طارئاً فرض على السعودية التعامل المباشر مع إسرائيليين، ثم تحولت الواقعة إلى مادة إعلامية تُبرز الحماية السعودية لهم وتشيد بها. وقد تكون الإجراءات السعودية مبررة بالكامل من الناحية الإنسانية والقانونية، لكن الطريقة التي جرى بها تقديمها إعلامياً تستحق التدقيق، خصوصاً عندما تأتي من قناة مرتبطة بالدولة السعودية وتستضيف مسؤولاً إسرائيلياً في ذروة الجدل حول الحادث.

وبذلك لا تكمن القضية فقط في الطائرة التي هبطت في تبوك، وإنما في الرواية التي خرجت بعدها. فقد أصبحت السعودية، في الخطاب الذي قدمته “العربية إنجليزي”، طرفاً يحمي الإسرائيليين ويستجيب لاحتياجاتهم الأمنية في أراضيه، بينما ظهرت إسرائيل بوصفها الطرف الذي يشرح للسعوديين والجمهور العربي كيفية فهم الحادث.

ولا تثبت هذه الواقعة وحدها وجود تحول سعودي معلن نحو التطبيع، كما لا تثبت وجود تنسيق مسبق بين الرياض وتل أبيب. لكنها تكشف مساحة عملياتية وإعلامية غير مسبوقة نشأت بسبب حادث طيران استثنائي، وتطرح سؤالاً أبعد من قمرة القيادة: هل ستبقى هذه الواقعة مجرد حالة طوارئ انتهت بهبوط الطائرة ومغادرتها، أم تتحول إلى سابقة سياسية وأمنية تستفيد منها إسرائيل في مسار تطبيع العلاقات مع السعودية؟

ويبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات من تسجيلات قمرة القيادة وبيانات الطيران والاتصالات التي جرت بين الإمارات والسعودية وإسرائيل قبل تحويل الرحلة وبعده، إضافة إلى تحديد هوية أفراد الأمن الإسرائيليين الذين قيل إنهم كانوا على متن الطائرة.

وحتى تظهر هذه الأدلة، فإن أي حديث عن افتعال الحادث أو التخطيط له سيظل في نطاق التكهنات، بينما تبقى الطريقة التي استثمرت بها الرواية الإسرائيلية إعلامياً، وفي مقدمتها تغطية “العربية إنجليزي”، واقعاً يستحق المساءلة والتدقيق.

شارك هذا المقال على: