صندوق الاستثمارات السعودي يطرق أبواب وول ستريت بعد تبديد المليارات
يتجه صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى وول ستريت بحثاً عن تمويل ورؤوس أموال جديدة، في خطوة تكشف حجم الضغوط التي بدأت تفرضها سياسة الإنفاق الضخمة التي رافقت مشروع “رؤية 2030″، بعدما انتقل الصندوق من مرحلة ضخ الأموال في المشاريع العملاقة إلى التركيز على الانضباط المالي وتعظيم عوائد المحفظة.
وكشف موقع “سيمافور” أن الإدارة العليا لصندوق الاستثمارات العامة ستعقد هذا الأسبوع اجتماعات في نيويورك مع عدد من أكبر المؤسسات الاستثمارية والمالية الأمريكية، بمشاركة ممثلين عن شركات تابعة للصندوق، بينها شركة الذكاء الاصطناعي “هيومين”، ومنطقة الملك عبدالله المالية في الرياض، وشركة “البحر الأحمر العالمية”.
وتشمل الجهات التي يستهدفها التحرك مؤسسات استثمارية كبرى مثل “أبولو” و”بلاكستون” و”بروكفيلد” و”كارلايل” و”كيه كيه آر” و”ستونبيك”، إضافة إلى بنك التصدير والاستيراد الأمريكي.
وتتولى شركة “لازارد” ترتيب الاجتماعات، في تحرك لا يرتبط، وفق موقع سيمافور، بمشروع واحد محدد، وإنما يمهد للحصول على تمويل مستقبلي من خلال الديون أو الأسهم أو أشكال أخرى من رأس المال الخارجي.
ويأتي التحرك في وقت يواجه فيه صندوق الاستثمارات العامة حاجة متزايدة إلى إعادة ترتيب أولوياته المالية، بعدما استنزفت المشاريع العملاقة والاستثمارات الخارجية مليارات الدولارات دون أن تحقق جميعها العوائد التي رُوّج لها عند إطلاقها.
ويقول سيمافور إن استراتيجية الصندوق الجديدة للأعوام 2026-2030 تركز على “الانضباط في الإنفاق” وتحقيق القيمة من الاستثمارات وجذب رأس المال من أطراف ثالثة، مع تقليل اعتماد الشركات التابعة على خزينة الدولة.
ويكشف هذا التحول تناقضاً واضحاً في النموذج الاقتصادي الذي تبنته الرياض خلال السنوات الماضية، إذ أنفقت الدولة والصندوق مبالغ ضخمة لتسريع تنفيذ رؤية 2030، قبل أن تضطر لاحقاً إلى إعادة تقييم عدد من المشاريع وتقليص طموحاتها أو تأجيل أجزاء منها بسبب ارتفاع التكلفة والحاجة إلى ضبط الإنفاق.
ويبرز مشروع “نيوم” في مقدمة هذه الملفات، بعدما قال سيمافور إن نحو 64 مليار دولار أنفقت عليه، في وقت جرى فيه تقليص نطاق المشروع بصورة حادة مقارنة بالطموحات الأولى التي أعلنت عن مدينة مستقبلية ضخمة ومشاريع عمرانية وسياحية واسعة على ساحل البحر الأحمر.
ويأتي ملف “ليف غولف” ليقدم مثالاً أكثر وضوحاً على مخاطر الإنفاق الاستثماري الذي لا يضمن عائداً مالياً.
فقد ضخ صندوق الاستثمارات العامة أكثر من 5 مليارات دولار في الدوري منذ إطلاقه، قبل أن يقرر وقف تمويله بعد موسم 2026. ودخل “ليف غولف” في سبتمبر 2026 إجراءات الإفلاس بموجب الفصل 11 في الولايات المتحدة، مع التزامات تتراوح بين 500 مليون دولار ومليار دولار، بينما بلغت مساهمات الصندوق في المشروع أكثر من 5 مليارات دولار.
وتضع هذه الخسائر شعار “تعظيم العائد” الذي يتبناه الصندوق حالياً أمام اختبار صعب، خصوصاً أن السياسة السابقة قامت في جزء منها على ضخ رؤوس أموال هائلة في مشاريع ذات أهداف اقتصادية وجيوسياسية وسياحية ورياضية متداخلة، من دون أن تكون العوائد التجارية المباشرة هي المعيار الوحيد لاتخاذ القرار.
وتظهر الضغوط المالية أيضاً على مستوى الموازنة السعودية. فقد توقعت الرياض عجزاً قدره 165 مليار ريال، أي نحو 44 مليار دولار، في موازنة 2026، بعدما قدرت عجز 2025 بنحو 245 مليار ريال، أو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وأقرت الحكومة بأن سياسة العجز ستستمر لعدة سنوات، في إطار تمويل التحول الاقتصادي ومشاريع رؤية 2030.
وتكشف أرقام الاستثمار الأجنبي بدورها فجوة بين الطموحات والواقع. فقد بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصافية إلى السعودية 32.6 مليار دولار في 2025، وفق بيانات الأونكتاد، وهو رقم يمثل تحسناً بنحو 53% عن العام السابق، لكنه لا يزال بعيداً عن هدف الرياض المعلن لجذب 100 مليار دولار سنوياً بحلول 2030.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد السعودي يواجه انهياراً أو أن صندوق الاستثمارات العامة يعاني إفلاساً؛ فالصندوق أعلن في أغسطس 2026 أن إيراداته ارتفعت إلى 120 مليار دولار في 2025، وأن صافي أرباحه تجاوز 17 مليار دولار، فيما تجاوزت أصوله المدارة 900 مليار دولار. كما أعلن في استراتيجيته الجديدة أن العائد الإجمالي السنوي للمساهمين تجاوز 7% منذ 2017.
لكن المشكلة التي تكشفها تحركات الصندوق نحو وول ستريت لا تتعلق بغياب الأموال بقدر ما تتعلق بكلفة النموذج الذي اختارته الرياض وسرعة الإنفاق التي رافقته. فبعد سنوات من التوسع في المشاريع العملاقة والاستثمارات الخارجية، أصبحت الأولوية الآن لجذب مستثمرين خارجيين وتقاسم المخاطر وتمويل جزء أكبر من المشاريع من الأسواق بدلاً من الاعتماد على موارد الدولة.
ويعني ذلك أن السعودية تدخل مرحلة مختلفة من رؤية 2030؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال كم تستطيع الحكومة أن تنفق، بل كم تستطيع المشاريع أن تسترد من الأموال التي ضُخت فيها، وكم من رأس المال الخاص يمكن أن تجذبه من دون ضمانات حكومية مباشرة.
وتحاول الرياض تقديم التحول باعتباره انتقالاً طبيعياً من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تحقيق العوائد، لكن الأرقام والنتائج تفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل كان الإنفاق الهائل خلال السنوات الماضية استثماراً محسوباً لبناء اقتصاد جديد، أم أن جزءاً منه ذهب إلى مشاريع واستثمارات سبقت قدرتها على تحقيق العائد؟
وتشير عودة صندوق الاستثمارات العامة إلى وول ستريت طلباً للتمويل إلى أن مرحلة الشيكات المفتوحة بدأت تنحسر، وأن الصندوق بات مضطراً إلى إقناع المستثمرين العالميين بأن المشاريع السعودية قادرة على إنتاج عوائد حقيقية، وليس الاكتفاء بالاعتماد على قوة الدولة النفطية وقدرتها على ضخ الأموال.
ويشكل ذلك اختباراً فعلياً لرؤية 2030، فنجاح التحول الاقتصادي لن يقاس بعدد المشاريع التي تعلنها الرياض أو حجم الأموال التي تضخها فيها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأموال إلى قطاعات منتجة، واستثمارات مستدامة، وإيرادات مستقلة عن النفط، وعوائد قادرة على تبرير المليارات التي أنفقت خلال العقد الماضي.
