جدل في السعودية بشأن إعلانات ترؤس الملك سلمان جلسات مجلس الوزراء
أثار استمرار الإعلان عن ترؤس الملك سلمان بن عبد العزيز جلسات مجلس الوزراء موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، مع تداول ناشطين تساؤلات بشأن مدى انعكاس هذه الإعلانات على الواقع، في ظل الغياب الطويل للملك عن الظهور العام وتولي محمد بن سلمان إدارة معظم ملفات الدولة خلال السنوات الأخيرة.
وتداول مستخدمون صوراً رسمية مرفقة ببيانات صادرة عقب جلسات مجلس الوزراء، معتبرين أن الصور المستخدمة تعود إلى مناسبات سابقة، بينما رأى آخرون أن البيانات الرسمية لا تقدم مؤشرات واضحة على مشاركة الملك المباشرة في مناقشة الملفات الحكومية، الأمر الذي فتح باب النقاش مجدداً حول طبيعة توزيع السلطات داخل المملكة.
ومنذ سنوات لم يعد الملك سلمان يظهر إلا في مناسبات محدودة للغاية، وإن إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية أصبحت عملياً بيد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود الحكومة ويتولى رسم السياسات الداخلية والخارجية منذ سنوات.
وتساءل ناشطون عن مدى قدرة الملك، الذي يبلغ من العمر أكثر من تسعين عاماً، على إدارة جلسات مجلس الوزراء ومناقشة الملفات اليومية للدولة، في وقت يواصل فيه الديوان الملكي الإعلان عن ترؤسه بعض الاجتماعات الرسمية دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة مشاركته.
وفي المقابل، تواصل السلطات السعودية إصدار بيانات تؤكد ترؤس الملك سلمان لبعض جلسات مجلس الوزراء، فيما لا تصدر توضيحات بشأن ما يثار على منصات التواصل الاجتماعي حول حالته الصحية أو حجم مشاركته في إدارة الشؤون التنفيذية.
وتولى الملك سلمان العرش في يناير/كانون الثاني 2015 عقب وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وسرعان ما شهدت المملكة سلسلة تغييرات غير مسبوقة أعادت رسم هيكل السلطة داخل الأسرة الحاكمة.
وبرز محمد بن سلمان، منذ السنوات الأولى من حكم والده، باعتباره الشخصية الأكثر نفوذاً في الدولة، إذ تولى وزارة الدفاع ثم ولاية العهد، قبل أن يُعيَّن رئيساً لمجلس الوزراء في سبتمبر/أيلول 2022، وهو المنصب الذي ظل تقليدياً من اختصاص الملك منذ عهد الملك فيصل.
واعتبر مراقبون أن تعيين ولي العهد رئيساً لمجلس الوزراء شكّل تتويجاً لانتقال معظم الصلاحيات التنفيذية إليه، بينما أصبح الملك يحتفظ بالموقع الدستوري والرمزي لرأس الدولة.
وشهدت تلك المرحلة إعادة ترتيب واسعة داخل الأسرة الحاكمة، تضمنت إبعاد عدد من الأمراء الذين كانوا يُنظر إليهم باعتبارهم منافسين محتملين على ولاية العهد، بالتوازي مع تركيز السلطات التنفيذية والأمنية والاقتصادية في دائرة ضيقة يقودها ولي العهد.
ويرى باحثون في الشأن السعودي أن مشروع محمد بن سلمان استند إلى إرث سياسي وإداري بناه والده على مدى عقود، منذ أن شغل إمارة منطقة الرياض، حيث كوّن شبكة واسعة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة والعائلة المالكة.
وتشير دراسات تناولت مسيرة الملك سلمان إلى أنه لعب دوراً محورياً في إدارة التوازنات داخل الأسرة الحاكمة قبل وصوله إلى العرش، مستفيداً من بقائه أميراً لمنطقة الرياض لعقود طويلة، ما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة القرار السعودي.
كما يرى عدد من الباحثين أن التحولات التي شهدتها المملكة منذ عام 2015 مثّلت إعادة هيكلة شاملة لمراكز القوة داخل الدولة، شملت إعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات وتقليص نفوذ بعض الأجنحة التقليدية في الأسرة الحاكمة.
وامتدت هذه التحولات إلى المؤسسة الدينية، حيث شهدت السنوات الماضية تقليص صلاحيات عدد من الهيئات الدينية، وإعادة صياغة الرواية الرسمية لتاريخ الدولة السعودية بما يركز على دور أسرة آل سعود بصورة أكبر، وهو ما تجسد في اعتماد “يوم التأسيس” وربط نشأة الدولة بعام 1727.
كما شملت التغييرات إعادة هيكلة مؤسسات أمنية وإدارية، وإطلاق برامج اقتصادية واسعة ضمن “رؤية 2030″، التي يقودها ولي العهد، إلى جانب مشاريع عمرانية واستثمارية ضخمة جعلت محمد بن سلمان الواجهة الأساسية للسياسات الحكومية في الداخل والخارج.
وفي ظل هذا الواقع، فإن المشهد السياسي السعودي يشهد منذ سنوات انتقالاً تدريجياً للسلطة التنفيذية إلى ولي العهد، بينما يحتفظ الملك سلمان بمكانته الدستورية ورمزيته داخل النظام السياسي.
ويستمر الجدل على منصات التواصل الاجتماعي كلما أُعلن عن ترؤس الملك سلمان جلسة لمجلس الوزراء، إذ يعتبر منتقدون أن البيانات الرسمية لا تجيب عن التساؤلات المتعلقة بطبيعة إدارة شؤون الدولة، بينما تؤكد السلطات السعودية في بياناتها استمرار الملك في ممارسة صلاحياته وفق النظام الأساسي للحكم.
ويعكس هذا الجدل الاهتمام المتزايد بملف انتقال السلطة داخل المملكة، خاصة مع استمرار تركيز الصلاحيات التنفيذية في يد ولي العهد، الذي يقود الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويمثل المملكة في معظم القمم والزيارات الدولية، في حين يظل الملك سلمان رأس الدولة وصاحب الشرعية الدستورية للنظام السعودي.
وبين الرواية الرسمية التي تؤكد استمرار ممارسة الملك لصلاحياته، والانتقادات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي بشأن طبيعة تلك الممارسة، يبقى توزيع الأدوار داخل هرم السلطة السعودية أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش، في ظل التحولات التي شهدتها المملكة منذ عام 2015، والتي رسخت موقع ولي العهد بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً في إدارة الدولة وصنع القرار.
