منصات التواصل تحت الحصار.. السلطات السعودية تصعد استهداف الأصوات المعارضة
صعّدت السلطات السعودية حملتها على الفضاء الرقمي والإعلامي عبر توسيع عمليات حجب الأصوات المعارضة على منصات التواصل الاجتماعي، امتدادًا لسياسة تهدف إلى إحكام السيطرة على الخطاب العام وتغييب الأصوات الناقدة، وسط تحذيرات حقوقية من اتساع القيود المفروضة على حرية التعبير داخل المملكة.
وكشف ناشطون عن تنفيذ موجة جديدة من عمليات الحجب استهدفت حسابات معارضة بارزة، مؤكدين أن الإجراءات جاءت استجابة لطلبات رسمية تقدمت بها السلطات السعودية إلى شركات التكنولوجيا العالمية، في إطار سياسة متواصلة لتقييد وصول المواطنين إلى المحتوى الذي يتعارض مع الرواية الرسمية.
وشملت الإجراءات حجب حسابات منصة “مفتاح” على منصتي فيسبوك وإنستغرام، بعد طلب تقدمت به الحكومة السعودية، ضمن حملة يقودها جهاز هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، والتي وصفها ناشطون بأنها تستهدف فرض سيطرة شبه كاملة على المحتوى الإعلامي والرقمي المتداول داخل المملكة.
كما أعلنت منصة إكس حجب الوصول إلى حساب “مفتاح” داخل السعودية استجابة لطلب رسمي، لينضم إلى عشرات الحسابات الأخرى التي لم يعد بالإمكان الوصول إليها من داخل البلاد، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لسياسة الرقابة الإلكترونية التي تنتهجها السلطات.
وفي السياق ذاته، أعلن المعارض السعودي تركي الشلهوب أن منصة إكس أخطرته بحجب حسابه عن المستخدمين داخل المملكة استجابة لطلب رسمي من الحكومة السعودية، مؤكداً أن القرار يضاف إلى سلسلة من الإجراءات التي استهدفت حسابات معارضة خلال الفترة الأخيرة.
وقال الشلهوب إن حجب الحسابات يعكس عجز السلطات عن مواجهة الآراء المخالفة بالحوار، ولجوءها بدلاً من ذلك إلى توسيع سياسة تكميم الأفواه ومنع وصول المعلومات إلى الرأي العام، معتبراً أن الحملة الحالية تعد من أوسع حملات التضييق على حرية التعبير التي شهدتها المملكة.
ويرى ناشطون أن اتساع نطاق الحجب يعكس انتقال السلطات إلى مرحلة جديدة من الرقابة الرقمية، تقوم على الحد من انتشار الروايات البديلة، وتقليص مساحة النقاش العام عبر استهداف المنصات التي تنشر محتوى سياسيًا أو حقوقيًا ينتقد السياسات الرسمية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تراجع غير مسبوق في مؤشرات حرية الإعلام بالمملكة، بعدما سجلت السعودية هبوطًا جديدًا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، حيث تراجعت 14 مركزًا لتحتل المرتبة 176 من أصل 180 دولة، في أحد أسوأ التصنيفات التي سجلتها المملكة منذ بدء إصدار المؤشر.
وأرجعت المنظمة هذا التراجع إلى استمرار القيود المفروضة على الصحفيين وحرية النشر، مشيرة إلى تصاعد الانتهاكات خلال عام 2025، بما في ذلك تنفيذ حكم الإعدام بحق الصحفي تركي الجاسر، وهو ما اعتبرته المنظمة سابقة خطيرة تعكس تصاعد المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الإعلامي.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن البيئة الإعلامية داخل السعودية أصبحت شبه مغلقة أمام أي عمل صحفي مستقل، في ظل خضوع المؤسسات الإعلامية المحلية لرقابة مباشرة، وفرض رقابة ذاتية واسعة بين الصحفيين خشية التعرض للملاحقة أو الاعتقال.
وبحسب هذه التقارير، تلتزم وسائل الإعلام المحلية بالرواية الرسمية التي تصدرها وكالة الأنباء السعودية، بينما تراجعت مساحة التغطيات المستقلة إلى حد كبير، مع تحول الرقابة الذاتية إلى ممارسة يومية تشمل حتى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
كما تؤكد التقارير أن المؤسسات الإعلامية المملوكة للقطاع الخاص تعمل ضمن الإطار الرسمي ذاته، نتيجة هيمنة الدولة على مصادر التمويل والإعلان والتوجيه التحريري، الأمر الذي يحد من استقلالية المؤسسات ويجعل هامش الاختلاف محدودًا للغاية.
ويشير مراقبون إلى أن التعدد الظاهري في الصحف السعودية، مثل الوطن وعكاظ والرياض، لا يعكس تعددية حقيقية في الخطاب الإعلامي، بل يمثل اختلافات محدودة داخل السقف الذي ترسمه السلطات، في ظل رقابة يومية على المحتوى المنشور.
وتقول منظمات حقوقية إن الأجهزة الرسمية تستخدم منظومة قانونية واسعة تشمل نظام مكافحة الإرهاب ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية لملاحقة الصحفيين والكتاب والناشطين، حيث صدرت خلال السنوات الأخيرة أحكام بالسجن لمدد طويلة بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو تعليقات اعتبرت مخالفة للسياسات الرسمية.
ومنذ عام 2018، شهدت السعودية توسعًا ملحوظًا في استخدام التشريعات الإلكترونية لملاحقة مستخدمي الإنترنت، مع صدور أحكام مشددة بحق ناشطين على خلفية تغريدات أو منشورات سياسية، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوق الإنسان أن هذه القوانين تُستخدم لتجريم حرية التعبير السلمي.
ويرى مراقبون أن السيطرة على المشهد الإعلامي تمتد إلى المجال الإقليمي عبر مؤسسات إعلامية كبرى تحظى بدعم مالي كبير، من بينها مجموعة إم بي سي التي تضم شبكة العربية، وهو ما يمنح الخطاب الإعلامي السعودي حضورًا واسعًا خارج الحدود.
وفي المقابل، تتجه التغطية الإعلامية الرسمية بصورة متزايدة نحو ملفات الترفيه والرياضة والمشاريع الاقتصادية، ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز صورة المملكة خارجيًا، بينما تتراجع التغطية المتعلقة بالقضايا السياسية والحقوقية وملفات الحريات العامة.
كما تتهم منظمات حقوقية السلطات السعودية بمواصلة استهداف الصحفيين والمعارضين عبر حملات إلكترونية منظمة، واستخدام تقنيات مراقبة متقدمة لملاحقة المنتقدين داخل المملكة وخارجها، في امتداد لسياسات أثارت انتقادات دولية واسعة منذ مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
ويؤكد ناشطون أن التوسع في حجب الحسابات المعارضة يعكس توجهًا متزايدًا لإغلاق ما تبقى من مساحات التعبير المستقلة على الإنترنت، معتبرين أن استمرار هذه الإجراءات يرسخ بيئة إعلامية أحادية، ويقوض الحق في الوصول إلى المعلومات وتبادل الآراء، في وقت تتزايد فيه الدعوات الحقوقية الدولية إلى وقف القيود المفروضة على حرية التعبير والإفراج عن معتقلي الرأي في المملكة.
