عبدالله الجمعة متعهد نشر الشذوذ في بلاد الحرمين بغطاء من بن سلمان
أثار تداول منشورات ومقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعدما أظهرت أن الكاتب والإعلامي السعودي عبدالله الجمعة شارك في فعاليات ورحلات خارجية نظمتها جهات تستهدف مجتمع المثليين بهدف نشر الشذوذ، فضلا عن أنه كان من بين المشاركين في تنظيم حفل أُقيم داخل المملكة.
وتداول ناشطون صوراً ومقاطع فيديو توثق مشاركة الجمعة في أنشطة نظمتها جهة تحمل اسم “Amarula”، وهي جهة تقدم نفسها على أنها تنظم رحلات سياحية دولية تستهدف أفراد مجتمع المثليين، إلى جانب أن الجمعة شارك في عدد من تلك الرحلات خلال السنوات الماضية، وأن ظهوره تكرر في مواد دعائية ومنشورات مرتبطة بهذه الأنشطة.
وقد ظهر الجمعة في رحلة بحرية نُظمت خلال أغسطس/آب 2025 في كرواتيا، وهي رحلة تضمنت فعاليات مخصصة للمثليين والمتحولين جنسياً، حيث أن اسمه وصوره ظهرت في أكثر من مناسبة ضمن أنشطة نظمتها الجهة ذاتها.
ولم تقتصر علاقة الجمعة بالجهة المنظمة على المشاركة في بعض الرحلات، بل امتدت إلى علاقات شخصية مع مؤسسيها، حيث تم تتبع صور ومقاطع فيديو تعود إلى أعوام سابقة وتجمعه معهما في مناسبات مختلفة خارج السعودية.
كما أن الجمعة استضاف مؤسسي نادي نشر الشذوذ في منزله بمدينة الرياض خلال إحدى زياراتهما للمملكة، حيث شاركا في جولات داخل الرياض وجدة، وحضرا فعاليات ترفيهية ضمن موسم الرياض.
وربطت حسابات متداولة بين هذه الأنشطة وبين الحفل الذي أثيرت حوله موجة واسعة من الجدل مؤخراً داخل السعودية، حيث كان الجمعة أحد أبرز منظميه، وذلك في سياق أنشطة سابقة مرتبطة بعلاقاته الخارجية.
وفي سياق متصل، تداول مستخدمون صوراً سابقة للجمعة برفقة عدد من المسؤولين السعوديين، من بينهم ولي العهد محمد بن سلمان، معتبرين أن تلك الصور تثير تساؤلات بشأن طبيعة حضوره في بعض الفعاليات الرسمية.
كما أعاد متابعون تداول مشاركات سابقة للجمعة في فعاليات نظمتها مؤسسة “مسك” خلال عام 2015، عندما استضافته المؤسسة متحدثاً في ملتقى الإعلام المرئي الرقمي للحديث عن تطبيق “سناب شات” والإعلام الرقمي.
وأثار ذلك موجة واسعة من التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طالب بعض المستخدمين بفتح تحقيق حول ما تم تداوله.
ومنذ صعود محمد بن سلمان إلى سدة الحكم الفعلي في السعودية، سعت حكومته لتقديم صورة جديدة للمملكة أمام العالم، عبر ما تسميه “التحديث والانفتاح”.
لكن خلف هذه الواجهة اللامعة للفعاليات الترفيهية والمشاريع الضخمة، يختبئ أجندة أيديولوجية وثقافية خطيرة، تتضمن الترويج لما كان يُعتبر سابقًا من المحرمات الدينية والاجتماعية الصارمة في السعودية، وعلى رأسها التطبيع مع الشذوذ الجنسي، وإن كان في البداية بأسلوب ناعم ومموّه.
وقد جاءت النقطة المفصلية في هذا المسار في مارس 2024، عندما أعلن “كأس العالم للرياضات الإلكترونية” (EWC) – المدعوم كليًا من صندوق الاستثمارات العامة السعودي – عن صفقة تعاون كبرى مع شركة “سوني” اليابانية، لتصبح الأخيرة “شريكًا مؤسسًا” للبطولة.
وتضمنت هذه الشراكة إنتاج نشيد رسمي للبطولة، وسلسلة محتوى ترويجي ضخم، يهدف لجعل EWC علامة عالمية، مع استهداف جمهور الشباب في الداخل والخارج.
وفي يونيو 2025، أعلن منظمو كأس العالم للرياضات الإلكترونية عن إنتاج سلسلة وثائقية بعنوان Esports World Cup: Level Up، تتكون من خمس حلقات، وبتمويل مباشر من الجهات السعودية الراعية للبطولة.
وقد تم توزيع العمل عبر منصة “أمازون برايم فيديو”، في خطوة تستهدف وصول الرسالة إلى جمهور عالمي واسع.
لكن خلف واجهة الحديث عن المنافسات الإلكترونية، تسللت إلى الوثائقي مشاهد ورسائل رمزية مرتبطة بالترويج للشذوذ الجنسي، عبر شخصيات مشاركة في السلسلة، وشعارات وألوان مرتبطة بما يسمى “مجتمع الميم”، تم دمجها في سياقات العرض، بحيث تمر على المشاهد العادي مرور الكرام، لكنها واضحة لمن يعرف الرموز والرسائل البصرية المستخدمة.
والمثير للجدل أن النسخة المعروضة عالميًا على “أمازون” احتوت على هذه المشاهد والرموز بشكل كامل، بينما تم حذفها من النسخة الموجهة للمشاهدين داخل السعودية.
وتكشف هذه الازدواجية نية مبيتة: في الداخل، يتم الإيحاء بالحفاظ على “الخطوط الحمراء” لطمأنة الجمهور المحافظ نسبيًا، بينما في الخارج تُستخدم هذه الأعمال لتلميع صورة المملكة كمكان “منفتح ومتقبل” للقيم الغربية، تمهيدًا لمزيد من التطبيع الثقافي.
ويبرز مراقبون أن هيئة الترفيه بقيادة تركي آل الشيخ ليست مجرد جهة تنظيم فعاليات، بل أداة هندسة اجتماعية تستخدم الترفيه كحصان طروادة لتمرير القيم الجديدة.
تمويل وثائقي يروّج للشذوذ، حتى لو بشكل رمزي أو غير مباشر، يدخل في إطار استراتيجية أوسع لتغيير البنية الثقافية في السعودية، واستبدال الهوية الدينية والاجتماعية بمنظومة قيم تتماشى مع معايير الشركات الغربية ومنظمات الضغط الثقافي.
والسؤال الجوهري هو: لماذا يختار النظام السعودي الانخراط في هذا المسار تحديدًا؟
الإجابة تكمن في ثلاثة أبعاد:
البعد السياسي الدولي: تقديم أوراق اعتماد للغرب، وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، بأن السعودية أصبحت “شريكًا تقدميًا” في القضايا الاجتماعية والثقافية.
البعد الاقتصادي: جذب استثمارات شركات الترفيه والإعلام الكبرى، التي تضع التوافق مع “قيم التنوع والشمول” شرطًا أساسيًا لأي تعاون.
البعد الاجتماعي الداخلي: ترويض الأجيال الجديدة على قبول هذه الأفكار تدريجيًا، عبر مزجها في المحتوى الترفيهي بدلاً من فرضها بشكل مباشر، ما يخفف ردود الفعل في المراحل الأولى.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت أصوات تنتقد الوثائقي وتمويله من أموال الدولة، معتبرين أن المليارات التي تُصرف من صندوق الاستثمارات العامة تستخدم لتقويض قيم المجتمع بدلاً من تعزيزها.
لكن بسبب المناخ القمعي الذي أوجده النظام، حيث يُلاحق أي صوت معارض، بقيت هذه الانتقادات محصورة في نطاق حسابات مجهولة أو معارضة في الخارج.
ومن الناحية الإعلامية، أخطر ما في الأمر أن الترويج للشذوذ لا يتم هنا عبر خطاب صريح، بل من خلال التطبيع البصري والقصصي في الأعمال الفنية والرياضية، بحيث يتشرب المشاهد الفكرة تدريجيًا دون أن يشعر. هذه الطريقة أثبتت فعاليتها في دول أخرى، وهي الآن تُطبّق على الساحة السعودية عبر إنتاجات تموّلها الدولة نفسها.
كما أن القضية تتجاوز حدود الوثائقي الأخير، فهي جزء من مشروع أوسع يقوده محمد بن سلمان لإعادة تعريف “السعودية الجديدة”، بما يشمل تغيير منظومة القيم الاجتماعية، واستخدام الترفيه كأداة ضغط وتطويع ثقافي.
وفي ظل السيطرة الكاملة على الإعلام المحلي، لا توجد مساحة لمساءلة من يقف وراء هذه القرارات، أو لمناقشة ما إذا كان المجتمع يريد بالفعل هذه التغييرات، أم أنها مفروضة من فوق لخدمة أجندات خارجية.
