فضائح السعودية

المحسوبية والولاء السياسي يضعفان كفاءة الجيش السعودي رغم الترسانة الضخمة

يكشف مسار تطور المؤسسة العسكرية في السعودية عن مفارقة لافتة في ظل إنفاق ضخم وتسليح متقدم يقابله أداء ميداني محدود، وهو ما يعزوه محللون إلى خلل بنيوي عميق يتمثل في هيمنة المحسوبية والولاء السياسي على تشكيل سلك الضباط، بدلاً من معايير الكفاءة والخبرة العسكرية.

ويؤكد محلل الاستخبارات الأمريكي السابق مايكل شوركين أن الإخفاقات التي ظهرت خلال الحرب في اليمن لا ترتبط بنقص في العتاد، بل تعود إلى “العقيدة العسكرية” وطبيعة بنية القيادة داخل الجيش، مشيراً إلى أن الترقيات غالباً ما ترتبط بالعلاقات مع العائلة الحاكمة، وليس بالأداء في ساحة المعركة.

وخلال المواجهات مع جماعة الحوثي في اليمن، تمكنت الأخيرة من تدمير عشرات الدبابات السعودية، بينها أكثر من 50 دبابة من طراز باتون و20 دبابة أبرامز، إضافة إلى تنفيذ اختراقات داخل الأراضي الحدودية، في تطورات اعتُبرت صادمة بالنظر إلى التفوق العسكري السعودي.

ويشير هذا الواقع إلى فجوة واضحة بين الإمكانات النظرية والقدرات الفعلية، حيث تبدو القوة العسكرية السعودية “أقل من مجموع أجزائها”، رغم امتلاكها معدات تضاهي جيوشاً متقدمة.

جذور تاريخية لضعف المؤسسة العسكرية في السعودية

تعود جذور هذا الخلل إلى بدايات تأسيس الدولة السعودية الحديثة، حين اعتمد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود على تجنيد القبائل بدلاً من بناء جيش نظامي.

ومع مرور الوقت، ظل هاجس الانقلابات حاضراً، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة من تحولات سياسية، ما دفع القيادة السعودية إلى تبني سياسة توزيع القوة العسكرية على أكثر من جهاز، أبرزها الجيش و”الحرس الوطني”، كوسيلة لضمان التوازن الداخلي ومنع أي تهديد محتمل للسلطة.

وجاءت هذه الازدواجية، التي تهدف إلى حماية النظام، على حساب الكفاءة القتالية، إذ أدت إلى تشتت الموارد وضعف التنسيق بين الوحدات العسكرية.

وقد شهدت السعودية برامج تسليح واسعة، خاصة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أبرمت صفقات ضخمة مع شركات غربية، أبرزها صفقة “اليمامة” التي شابتها اتهامات بالفساد.

وتشير تقارير إلى أن بعض هذه الصفقات تضمنت عمولات بمئات الملايين من الدولارات، ما يعكس وجود اختلالات في إدارة الموارد الدفاعية.

ورغم أن القوات المسلحة السعودية تضم أكثر من 250 ألف عنصر، وتتمتع بتجهيزات متقدمة، فإن هذه القدرات لم تنعكس بشكل متناسب على الأداء العملياتي.

أزمة العقيدة العسكرية في السعودية

يرى خبراء أن أحد أبرز أسباب ضعف الأداء هو غياب عقيدة عسكرية واضحة وموحدة، حيث تركز العقيدة الرسمية على مفاهيم دينية وأخلاقية، دون تطوير رؤية استراتيجية متكاملة للعمليات القتالية الحديثة.

كما أظهرت الحرب في اليمن اعتماداً كبيراً على الدعم الخارجي، خاصة من الولايات المتحدة، في مجالات حيوية مثل التزود بالوقود جواً، ما يعكس نقصاً في الكفاءات المحلية.

ويضاف إلى ذلك محدودية التدريب العملي، حيث يتركز تدريب الطيارين على استهداف أهداف ثابتة، دون تطوير مهارات القتال المعقدة.

وتشير المعطيات إلى أن الهيكل القيادي داخل الجيش يتسم بالجمود، مع اعتماد كبير على الأقدمية والولاءات الشخصية، بدلاً من الكفاءة والإنجاز.

كما تؤدي “عقلية الصوامع” إلى ضعف التنسيق بين الوحدات المختلفة، وغياب تبادل المعلومات، ما يؤثر سلباً على فعالية العمليات العسكرية.

ويعزز هذا الوضع ما يُعرف بمؤشر “مسافة السلطة” المرتفع، حيث يُقبل التفاوت الكبير في توزيع السلطة داخل المؤسسة، ما يحد من المبادرة الفردية ويعزز التبعية.

تحديات بشرية واجتماعية

تعاني القوات المسلحة في السعودية من نقص في الكوادر الفنية، خاصة في مجالات الصيانة والدعم، بسبب عزوف بعض فئات المجتمع عن العمل في المهن التقنية، رغم الحوافز المالية.

كما أظهرت التقارير أن بعض الجنود حاولوا تجنب المشاركة في العمليات القتالية بوسائل مختلفة، ما يعكس ضعف الحافز القتالي.

وتكشف التجربة العسكرية السعودية عن معادلة معقدة، حيث يتقاطع الإنفاق الضخم والتسليح المتقدم مع تحديات بنيوية عميقة في القيادة والعقيدة والتنظيم.

وبينما تمتلك المملكة بنية تحتية عسكرية متطورة، فإن غياب الإصلاح المؤسسي الشامل، القائم على الكفاءة والاحتراف، يظل عائقاً رئيسياً أمام تحويل هذه القدرات إلى قوة عسكرية فعالة على الأرض.

وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبقى مستقبل الأداء العسكري السعودي مرهوناً بمدى قدرته على معالجة هذه الاختلالات الهيكلية، والانتقال من نموذج قائم على الولاء إلى منظومة ترتكز على الكفاءة والجاهزية القتالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى