ملفات بلا إجابة.. الإخفاء القسري يلاحق النشطاء والأكاديميين في السعودية
تواصل السلطات السعودية توسيع استخدام الإخفاء القسري بحق معتقلي الرأي من النشطاء والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين، وسط تصاعد التحذيرات الحقوقية من تحول هذه الممارسة إلى سياسة ممنهجة تُستخدم لإسكات الأصوات المنتقدة وحرمان المعتقلين وذويهم من معرفة أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية والقانونية.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن حالات الإخفاء القسري شهدت ارتفاعًا ملحوظًا منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد، في ظل استمرار اعتقال ناشطين ومعارضين وإخفاء مصير عدد منهم لفترات طويلة، دون تمكين أسرهم أو محاميهم من التواصل معهم أو الحصول على معلومات رسمية بشأن أماكن احتجازهم.
وتعد الناشطة أماني الزين من أبرز هذه الحالات، بعدما تجاوزت ست سنوات من الاختفاء القسري منذ اعتقالها في مايو/أيار 2020 على خلفية نشرها مقطع فيديو انتقدت فيه ولي العهد. ومنذ ذلك التاريخ لم تكشف السلطات عن مكان احتجازها أو ظروفها الصحية والقانونية، فيما تؤكد منظمات حقوقية استمرار انقطاع أي معلومات عنها.
كما لا تزال السلطات تمتنع عن الكشف عن مصير الدكتور رزين الرزين، الرئيس التنفيذي السابق لجمعية حماية المستهلك، الذي اعتقل تعسفيًا في سبتمبر/أيلول 2017 ضمن حملة استهدفت شخصيات أكاديمية وإصلاحية. ورغم مرور سنوات على اعتقاله، لم تعلن السلطات مكان احتجازه أو حالته الصحية، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة بشأن سلامته.
وامتدت هذه الممارسات إلى الناشطة نجوى أحمد الحميد، بعدما اقتحمت قوات الأمن منزلها في مايو/أيار 2021 واعتقلتها على خلفية اتهامات شملت متابعة حسابات معارضين عبر منصة “إكس” (تويتر سابقًا).
وقد انقطعت أخبارها لأشهر قبل أن تظهر في أبريل/نيسان 2022 عبر قناة رسمية، بينما لا تزال محتجزة بعد أكثر من 1900 يوم على اعتقالها، وفق معطيات حقوقية.
ويبرز كذلك الإعلامي ورجل الأعمال يوسف الملحم، الذي اعتقل في 12 سبتمبر/أيلول 2017، بعد أيام قليلة من دعوته إلى الارتقاء بالخطاب الإعلامي خلال الأزمة الخليجية.
ويواجه الملحم اتهامات وصفتها منظمات حقوقية بالفضفاضة، من بينها “التواصل مع جهات خارجية”، فيما لا يزال معتقلًا منذ أكثر من ثمانية أعوام، بعيدًا عن أسرته وأطفاله.
وتشمل قائمة المختفين قسرًا أيضًا العسكري غالب أحمد أبوهداش حكمي، الذي انقطعت أخباره منذ اعتقاله منتصف عام 2024. وبينما تقول السلطات إن توقيفه جاء على خلفية حيازة سلاح، تنفي عائلته هذه الرواية، مؤكدة عدم معرفتها بمكان احتجازه أو أسباب اعتقاله الحقيقية، ومطالبة بالكشف الفوري عن مصيره.
وفي قضية أخرى، خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، بعد تحقيق استمر ثمانية أشهر، إلى أن احتجاز المواطن السوداني البريطاني أحمد الدوش يُعد احتجازًا تعسفيًا بموجب القانون الدولي، داعيًا إلى الإفراج الفوري عنه وتعويضه.
ورغم تخفيض الحكم الصادر بحقه من عشر سنوات إلى ثماني سنوات ثم إلى خمس سنوات، فإنه لا يزال معتقلًا منذ أغسطس/آب 2024، وسط غياب أي معلومات رسمية عن وضعه الصحي أو مكان احتجازه.
ولا تقتصر حالات الإخفاء القسري على هذه الأسماء، إذ يواصل المدافع عن حقوق الإنسان الدكتور محمد القحطاني الاختفاء عن العالم الخارجي منذ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2022، بعد منعه من التواصل مع أسرته أو محاميه أثناء احتجازه في سجن الحائر، حيث يقضي عقوبة بالسجن منذ عام 2013 على خلفية نشاطه السلمي ومطالبته بإصلاحات ديمقراطية.
وتؤكد منظمات حقوقية أن الإخفاء القسري يمثل إحدى أخطر الانتهاكات التي تمارسها السلطات السعودية، باعتباره جريمة مستمرة لا تنتهي إلا بالكشف عن مصير الضحية أو الإفراج عنه، مشيرة إلى أن هذه الممارسة تترافق في كثير من الحالات مع مزاعم بالتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية.
وتوضح الأمم المتحدة أن الإخفاء القسري يشمل الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف الذي تنفذه سلطات الدولة أو جهات تعمل بدعمها أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مكان وجوده أو مصيره، بما يضعه خارج حماية القانون.
ويستند التعريف الدولي إلى ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في حرمان الشخص من حريته رغم إرادته، وضلوع جهات حكومية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثم الامتناع عن الاعتراف بالاحتجاز أو الكشف عن مكان وجود الضحية، وهي عناصر ترى جهات حقوقية أنها تنطبق على العديد من حالات المعتقلين في السعودية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الإخفاء القسري لا يقتصر أثره على المعتقلين أنفسهم، بل يمتد إلى عائلاتهم التي تعيش حالة مستمرة من القلق وعدم اليقين، في ظل غياب أي معلومات عن أماكن الاحتجاز أو الأوضاع الصحية للمختفين، واضطرار الأسر إلى البحث عن أي معلومة عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية دون جدوى.
كما تؤكد هذه التقارير أن استمرار هذه الممارسات يفاقم المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في المملكة، خاصة مع تواتر المطالب الدولية بوقف الاعتقالات التعسفية والكشف عن مصير المختفين قسرًا وضمان حقهم في التواصل مع أسرهم ومحاميهم، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في المواثيق الدولية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات الأساسية.
وتواصل منظمات حقوق الإنسان دعواتها للسلطات السعودية إلى إنهاء سياسة الإخفاء القسري، والكشف الفوري عن أماكن وجود جميع المختفين، وتمكينهم من الاتصال بذويهم والحصول على الرعاية الصحية والمحاكمة العادلة، والإفراج عن جميع معتقلي الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، مع فتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتبطة بحالات الإخفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنها.
