يوتيوب يغلق قنوات للمعارضة السعودية وسط تصاعد حملة الحجب الرقمي
أعلن عدد من المعارضين والحقوقيين والإعلاميين السعوديين إغلاق منصة يوتيوب قنواتهم، بناءً على طلبات صادرة عن الحكومة السعودية، لتتسع بذلك دائرة القيود الرقمية التي تستهدف المحتوى السياسي والحقوقي المعارض للنظام السعودي.
وشملت القنوات التي أعلن أصحابها تعرضها للإغلاق أو التقييد قنوات الإعلامي والمعارض سعيد بن ناصر الغامدي، وقناة “حجازيات”، إضافة إلى قناة المدافع عن حقوق الإنسان يحيى عسيري، وسط تكثيف ولي العهد محمد بن سلمان باستخدام أدوات الضغط السياسي والقانوني لإسكات الأصوات المعارضة خارج حدود المملكة.
وتأتي الخطوة بالتزامن مع تصاعد ما تصفه منظمات حقوقية بحملة حجب رقمي واسعة تستهدف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنصات الإعلامية التي تنشر محتوى ناقداً للسلطات السعودية، في ظل انتقال جزء كبير من المعارضة السعودية إلى الخارج بعد سنوات من الاعتقالات والمحاكمات وأحكام السجن وحظر السفر وتفكيك المساحات المستقلة داخل البلاد.
وأعلنت السلطات السعودية، عبر مركز “اعتدال”، إغلاق 1275 قناة على تطبيق تلغرام قالت إنها مرتبطة بمحتوى متطرف. غير أن منتقدي المركز يربطون نشاطه بحملة أوسع لإعادة تعريف الخطاب الديني والسيطرة على المحتوى الإسلامي والسياسي في الفضاء الرقمي.
وكانت إذاعة 98 قد نشرت تحقيقاً حول مركز اعتدال وانتقدت ما وصفته بمحاولاته فرض تعريف جديد للإسلام يتماهى مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، معتبرة أن المركز أصبح جزءاً من سياسة تستهدف إعادة تشكيل الخطاب الديني، وتحطيم الرموز الدينية، وتهميش العلماء والدعاة، ومراقبة المحتوى الإسلامي على الإنترنت.
ويتجاوز نشاط المركز مواجهة التطرف ليشمل استهداف محتوى سياسي وديني لا ينسجم مع سياسات النظام السعودي، خصوصاً في ظل التغيرات التي شهدتها المملكة في مناهجها التعليمية والدينية، وتوسع التعاون بين المؤسسات الرسمية وشركات التكنولوجيا العالمية في مراقبة المحتوى وحجبه.
ووثقت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، بدورها، تصاعداً في جهود السلطات السعودية خلال عام 2026 لتقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي والسياسي عبر المنصات العالمية، بما يشمل حسابات ومنظمات تنشر معلومات حول الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة وعقوبة الإعدام والانتهاكات الحقوقية.
وأكدت المنظمة أن هذه الإجراءات تثير مخاوف جدية بشأن حرية الرأي والتعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، كما تطرح تساؤلات حول مدى التزام شركات التكنولوجيا بمسؤولياتها الحقوقية عند التعامل مع طلبات صادرة عن حكومة تمتلك سجلاً واسعاً في ملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وفرضت شركة ميتا، اعتباراً من 30 أبريل/نيسان 2026، قيوداً جغرافية على عدد من الحسابات والمنظمات الحقوقية المرتبطة بالشأن السعودي، ما جعلها غير متاحة للمستخدمين داخل المملكة، بينما بقيت متاحة خارجها.
وشملت القيود منظمة القسط لحقوق الإنسان، ومنصة الديوان الديمقراطي، والباحث السعودي عبد الله العودة، والمدافع عن حقوق الإنسان يحيى عسيري، إلى جانب حسابات أخرى لناشطين سعوديين مقيمين في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وأظهرت بيانات الشفافية أن السلطات السعودية طلبت خلال أبريل/نيسان فرض قيود على 144 حساباً وصفحة وملفاً شخصياً على منصتي فيسبوك وإنستغرام، فيما استجابت الشركة لطلبات شملت 108 عناصر، وسط مؤشرات على تعرض أكثر من مئة صفحة وحساب للتقييد منذ مارس/آذار 2026.
وأبلغت ميتا بعض أصحاب الحسابات أن القيود جاءت استجابة لمتطلبات قانونية محلية أو لطلبات حكومية، في حين استندت بعض الإجراءات إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي، الذي أثارت مواده الفضفاضة مخاوف حقوقية بسبب استخدامها خلال السنوات الماضية في ملاحقة التعبير السلمي والنشاط الحقوقي والإعلامي المستقل.
وامتدت القيود إلى يوتيوب، حيث تلقى القائمون على قناة “إذاعة 98” في وقت سابق إشعاراً من المنصة يفيد بتلقيها “شكوى قانونية من جهة حكومية”، قبل اتخاذ قرار بحجب المحتوى داخل السعودية مع بقائه متاحاً للمستخدمين خارجها.
ويكشف هذا النموذج عن توسع استخدام الحجب الجغرافي كأداة للسيطرة على تدفق المعلومات، إذ لا تحتاج السلطات إلى إغلاق المحتوى عالمياً، بل يكفي منع الجمهور السعودي من الوصول إليه، حتى عندما يكون منشوراً من خارج المملكة ويتمتع بحماية قانونية في بلدان أخرى.
وطالت القيود أيضاً منصة X، حيث تلقى عدد من النشطاء والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان إشعارات تفيد بتلقي المنصة طلبات رسمية من جهات سعودية لحجب حساباتهم داخل المملكة.
وشملت الحسابات المستهدفة، بحسب متابعات حقوقية، شخصيات ومنصات مثل علي الدبيسي، وثامر الزهراني، وسلطان العبدلي، ويحيى عسيري، وعبد الله العودة، وعمر عبد العزيز، وغانم الدوسري، وسعيد بن ناصر الغامدي، إلى جانب آخرين ينشرون محتوى يتعلق بالأوضاع السياسية والحقوقية في السعودية.
وتكشف هذه الإجراءات عن انتقال سياسة القمع السعودي إلى الفضاء الرقمي العالمي، بعدما لم تعد أدوات السلطة تقتصر على الاعتقالات والمحاكمات داخل البلاد، بل امتدت إلى المراقبة والتهديد والضغط على عائلات المعارضين ومحاولات اختراق الحسابات والأجهزة، وصولاً إلى ممارسة الضغوط على شركات التكنولوجيا لتقييد المحتوى.
ويعزز إغلاق قنوات المعارضين على يوتيوب المخاوف من أن تتحول المنصات العالمية إلى أدوات لتنفيذ الرقابة العابرة للحدود، خصوصاً عندما تستجيب لطلبات حكومات تستخدم قوانين محلية فضفاضة لتقييد خطاب سياسي وحقوقي مشروع.
وبينما يواصل النظام السعودي تقديم حملات الحجب باعتبارها حماية للمجتمع أو مواجهة للتطرف، يؤكد حقوقيون ومعارضون أن الهدف الحقيقي يتجاوز ذلك إلى تقليص المساحة المتاحة للنقد، ومنع المواطنين من الوصول إلى روايات مستقلة عن واقع المملكة، وتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة جديدة تلاحق فيها السلطة خصومها حتى خارج حدودها.
