مجلة أمريكية: محمد بن سلمان أوصل السعودية لوضع بائس بفعل الافتقار لرؤية استراتيجية
انتقدت مجلة فورين بوليسي الأميركية، بشدة سياسات ولي العهد محمد بن سلمان التي قالت إنها أوصلت السعودية لوضع بائس بفعل الافتقار لرؤية استراتيجية في خضم التطورات الإقليمية والدولية غير المسبوقة والتي تؤثر سلبا على وضع المملكة على كافة الأصعدة.
وقالت المجلة في مقال تحليلي بعنوان (السعوديون هم مهندسو مأساتهم بأنفسهم)، إن المملكة عانت من الفرص الضائعة والاخطاء الاستراتيجية الجسيمة في التعامل مع التطورات الحاصلة في وقت افتقرت البلاد لرؤية قادرة على تحقيق أهدافها.
وأعرب ستيفن كوك، كاتب الاعمدة في مجلة فورين بوليسي، وكبير الباحثين بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، عن الأسف تجاه وضع السعوديين “حيث يجدون أنفسهم تحت وطأة الضغوط الإيرانية وهجمات الحوثيين، في وضع بائس أسهم في صنعه جزئياً رئيس أميركي ضعيف ومتقلب المزاج”.
وقال كوك إنه “لم يرغب القادة السعوديون طوال العقد الماضي، في شيء أكثر من تحقيق الاستقرار الإقليمي، بينما هم منشغلون بمهمة تحويل بلادهم”.
وأضاف “لقد بدا الشرق الأوسط ولفترة من الوقت مستقرًا بما يكفي، كي يحلم محمد بن سلمان ومستشاروه بتحقيق تغيير جذري في المملكة بحلول عام 2030، ثم شنت حركة حماس هجومها على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أشعل حرباً إقليمية”.
وتابع “فعل السعوديون كل ما في وسعهم للنأي بأنفسهم عن تلك الحرب، وهو رد عقلاني على العنف وإراقة الدماء، ولكن ما ساهم في تفاقم المشاكل في البلاد، هو افتقار الرياض للرؤية الاستراتيجية الاستباقية”.
وأشار كوك إلى أحدث تصعيد بين السعودية وجماعة أنصار الله، المعروفة أيضاً بالحوثيين، والذي وقع في الثالث عشر من يوليو/تموز عندما قيل إن سلاح الجو السعودي قصف مدرج مطار صنعاء الدولي، فقد كان وبكلمة واحدة، غير ضروري، وبعبارة أطول، نتيجة لسوء التقدير.
وبحسب المقال لا يزال السبب الذي دفع السعوديين إلى بدء هذه المواجهة غامضاً، ويبدو أنهم تحركوا نيابة عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي أعربت عن قلقها بشأن انتهاكات الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى الحوثيين، وكان الهدف من الضربات على المطار منع هبوط طائرة تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية، تقل وفداً حوثياً عائداً من جنازة آية الله علي خامنئي.
وتُعد ماهان إير الناقل المفضل للحرس الثوري الإيراني لإمداد حلفائه في أنحاء المنطقة، ومن المعقول الاعتقاد بأن الحوثيين كانوا يحملون معهم من طهران أكثر من مجرد الفستق والسجاد.
وأبرز المقال أن تدمير مدرج مطار صنعاء يبدو غير منطقي الى حد كبير، حتى لو افترضنا أن الرحلة كانت تشكل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن، فقد كان يُفترض ان يكون قرار السماح بهبوط الطائرة في المطار أسهل القرارات، بعد كل الاستفزازات التي صدرت عن الحوثيين والحرس الثوري الإيراني وغضت الرياض الطرف عنها خلال السنوات الأخيرة.
وقال “لقد كانت الحرب بين السعودية والحوثيين قد انتهت فعلياً، رغم تذمر مسؤولين سعوديين في أحاديث خاصة من أن الإيرانيين لم يلتزموا بتعهداتهم، بما في ذلك تلك المتعلقة باليمن، بعد استئناف الرياض علاقاتها مع طهران عام 2023، ويبدو أن المخاطر المترتبة على قصف المطار تفوق المكاسب المتوقعة منه، وكان بوسع السعوديين بالتأكيد غض الطرف عن الأمر”.
وتابع “الحوثيون، من جانبهم، لم يغضوا الطرف، فقد ردوا بإطلاق النار على مطار أبها الدولي في منطقة عسير، وعلى منشآت نفطية في جازان على ساحل البحر الأحمر قرب اليمن، كما فرضوا حصاراً على حركة السفن السعودية في مضيق باب المندب”.
وفي الوقت نفسه، استهدفت فصائل عراقية متحالفة مع إيران والحوثيين منشآت لشركة أرامكو في ينبع، ومجمع معالجة النفط السعودي في بقيق، وهو منشأة ضخمة وذات أهمية حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
ولزيادة الأمور سوءاً، يواجه السعوديون الحوثيين بمفردهم، فقد أدان قادة المنطقة هجمات الحوثيين وأعربوا عن تضامنهم مع السعودية، لكن أياً من جيران المملكة العرب لم يتقدم لتقديم المساعدة، ومعظمهم أضعف وأكثر تردداً من أن يواجهوا التهديد الحوثي.
وأشار المقال إلى أنه ربما تكون الإمارات هي الاستثناء الوحيد، لكن الرياض أبعدت أبو ظبي عنها في لحظة أخرى من سوء الإدارة الاستراتيجية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بسبب خلافهما بشأن الحرب المشتركة في اليمن.
ففي ذلك الوقت، سيطر حلفاء الإمارات في اليمن، المعروفون باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، على معظم جنوب البلاد وأعلنوا عزمهم إقامة دولة مستقلة، ورأى السعوديون في ذلك محاولة للالتفاف على جهودهم الرامية إلى التوصل إلى تسوية دبلوماسية وسياسية لأزمة اليمن المستمرة منذ سنوات، والحفاظ على وحدة البلاد، لذلك قصفوا قوات المجلس الانتقالي، وأجبروا قياداته على مغادرة البلاد، وطالبوا الإماراتيين بالابتعاد عن اليمن. واستجابت أبو ظبي لذلك.
وقال كوك “يمكنني تفهم أسباب غضب السعوديين، لكنهم في خضم غضبهم فقدوا رؤية الصورة الأكبر، فقد كان من شأن التحرك المفاجئ للمجلس الانتقالي أن يضع الحوثيين وداعميهم في الحرس الثوري الإيراني في موقف دفاعي، مع تمركز قوات جنوبية على مشارف المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين”.
وتابع “قال السعوديون إنهم كانوا قلقين من تفكك دولة عربية، ومن السابقة التي قد يرسخها ذلك، لكن قيام يمن جنوبي متحالف مع الإمارات ومتوافق مع المصالح السعودية في مواجهة الحوثيين يبدو نتيجة أفضل من إجراء محادثات عقيمة مع الحوثيين بشأن مستقبل اليمن”.
وفي الفترة نفسها تقريباً، ارتكب السعوديون خطأ استراتيجياً آخر، فبدلاً من الترحيب باعتراف إسرائيل بأرض الصومال، أو على الأقل التسامح معه، عارضت السعودية الخطوة علناً إلى جانب تركيا وقطر والدول العربية الأعضاء في الاتحاد الأفريقي.
وبحسب المقال “كان من المنطقي أن تعارض مصر الخطوة الإسرائيلية، لأن إثيوبيا، وهي منافس رئيسي لمصر في منطقة القرن الأفريقي، تحتفظ بعلاقات قوية مع أرض الصومال، كما عارضتها تركيا لأن أرض الصومال تمنح الإسرائيليين موطئ قدم في القرن الأفريقي، حيث تعمل أنقرة على تعزيز وجودها منذ أكثر من عقد”.
وأضاف “لكن الموقف السعودي المعارض لم يكن منطقياً، فأرض صومال مستقلة ومتحالفة مع إسرائيل، وتتيح للإسرائيليين وجوداً على أراضيها، من شأنها أن تمارس ضغطاً على الحوثيين والحرس الثوري الإيراني، وكان يفترض أن يكون ذلك في مصلحة الرياض، حتى لو لم يكن بوسع السعودية الاحتفاء به علناً”.
وبحسب المقال يبدو أن القادة السعوديين كانوا غاضبين بشدة من الإماراتيين، الذين اعتقدوا أنهم متواطئون مع الإسرائيليين في أرض الصومال، إلى درجة حالت دون إدراكهم للمكسب الاستراتيجي المحتمل، ومن غير المرجح أن تساعد تركيا ومصر وقطر، حلفاء السعودية في الحفاظ على وحدة الصومال، الرياض في مواجهة مشكلتها مع الحوثيين.
وقد كان وجود الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض خلال هذه الفترة من سوء الحظ السعودي أمراً مؤلماً على نحو خاص، فقد كره السعوديون الرئيس باراك أوباما بسبب اتفاقه النووي مع إيران، وخشوا أن يضعف الرئيس جو بايدن موقفهم من خلال اتفاق لاحق، وهو ما لم يتحقق قط.
وقد انتهى الأمر ببايدن إلى تعزيز العلاقات مع المملكة، وأمضى العامين الأخيرين من ولايته يتفاوض بشأن اتفاق أمني ثنائي معها، ومع ذلك، بدا أن السعوديين، مثل غيرهم من دول الخليج، كانوا يفضلون ترامب بوضوح على منافسته الديمقراطية، نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، لأن ترامب، بحسب الاعتقاد السائد، ينجز الأمور ويدعم الأعمال والاستثمارات.
ومع ذلك، وما إن توصلت المملكة إلى اتفاق مع إدارة ترامب يمنحها الحصول على التكنولوجيا النووية، حتى باغتهم الرئيس بالتراجع عن تعهداته، فبعد يوم واحد فقط من توقيع وزير الطاقة الأمريكي على الاتفاقية، أضاف ترامب شرطاً جوهرياً جديدًا يتمثل في تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ وهو أمر أعلن السعوديون مراراً أنهم لن يقدموا عليه إلا بعد قيام دولة فلسطينية، وهو الأمر الذي يرفض الإسرائيليون الالتزام به.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يخذل فيها ترامب السعوديين؛ إذ خرق “عقيدة كارتر” في سبتمبر 2019 عندما امتنع عن الرد على الهجمات الإيرانية التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية، وأسفرت عمليته السيئة التخطيط “الغضب الملحمي” عن تمكين طهران على حساب جيرانها في الضفة الغربية للخليج، وسيترك الرئيس الأميركي السعوديين وغيرهم لمواجهة التبعات بمفردهم، بمجرد ان يجد مخرجًا له من هذا الصراع.
وختم المقال “لا ريب في أن عام 2026 يمثل عاماً شؤماً وكارثياً على السعودية، ولا يزال يفصلنا عن نهايته أكثر من أربعة أشهر، كما يتمنى السعوديون لو يملكون رفاهية عزل بلادهم عن مشكلات المنطقة، بيد أن ذلك غير ممكن، وسياسة “دبلوماسية الريال”، المتمثلة في شراء صمت من قد يلحق بهم الضرر، تبقى محدودة الأثر”.
وشدد على أنه “يتعين على السعوديين لتحسين موقفهم، التخلي عن المبادئ والعواطف التي وجهت رسم سياساتهم، وتطوير فهم أدق لبيئتهم الاستراتيجية؛ فبذلك وحده ستتاح لهم الفرصة لصياغة مستقبل المنطقة، بدلاً من ترك الآخرين يشكلونها نيابة عنهم”.
