بحث في المقالات

رئيسي

نمو ممول بالديون.. المواطن السعودي أمام فاتورة الإنفاق الحكومي والاقتراض

بواسطة سعودي ليكس 4 نوفمبر، 2026 التعليقات: 0
نمو ممول بالديون.. المواطن السعودي أمام فاتورة الإنفاق الحكومي والاقتراض

تضع الأرقام المالية السعودية بين روايتين متعارضتين: نمو في الاستثمار المحلي تقول السلطات إنه يعكس تحولاً اقتصادياً، وعجز يتسع مع استمرار الإنفاق الحكومي والاقتراض. وفيما يحتفي الخطاب الرسمي بمؤشرات النمو، تتزايد الأسئلة عن كلفة المشاريع الكبرى، ومدى استدامة تمويلها، وحصة المواطنين من أعبائها.

وقدّرت وزارة المالية العجز في موازنة 2026 بنحو 165 مليار ريال، قبل أن ترفع توقعاتها إلى 245 مليار ريال، أي ما يقارب 65 مليار دولار، بزيادة تقارب 50%. وأظهرت بيانات الربع الثالث عجزاً فصلياً بلغ 84.3 مليار ريال، فيما وصل العجز التراكمي خلال الأشهر التسعة الأولى إلى نحو 244.3 مليار ريال.

وتُظهر هذه الأرقام أن الاقتراض بات جزءاً أساسياً من تمويل الإنفاق الحكومي، لا أداة استثنائية لتغطية فجوة عابرة. وزارة المالية السعودية؛ بيانات الربع الثالث

ولا ينفصل هذا العجز عن توسع الدولة في الإنفاق على مشروعات رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة. فحين تقترض الحكومة وتضخ الأموال في مشروعاتها، ينعكس جزء من الإنفاق في مؤشرات الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

غير أن نمو المؤشر وحده لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تتحول هذه الأموال إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات مستدامة، أم أن جزءاً كبيراً منها يذهب إلى مشروعات ضخمة تتأخر عوائدها وتظل كلفتها على الميزانية؟

وتشير بيانات المركز الوطني لإدارة الدين إلى أن الدين الحكومي المباشر بلغ 1.685 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، بما يعادل 33.9% من الناتج المحلي وفق تقديرات الموازنة.

وهو مستوى لا يعني وحده وقوع أزمة مالية، لكنه يوضح سرعة توسع الاقتراض مقارنة بمستويات الدين المنخفضة قبل سنوات. كما تتوقع وزارة المالية استمرار العجز في السنوات المقبلة، ما يجعل خدمة الدين ومواعيد سداده بنداً متزايد الأهمية في حسابات الإنفاق العام. المركز الوطني لإدارة الدين

وتزيد المفارقة وضوحاً مع ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، وفق بيانات السوق المنشورة حينها، في وقت لم يمنع فيه تحسن الأسعار استمرار العجز. فالإنفاق المرتفع والتزامات المشاريع وتذبذب الإيرادات النفطية تجعل الموازنة أكثر حساسية لأي هبوط لاحق في الأسعار أو تراجع في الطلب.

ويُظهر تقرير وزارة المالية أن إيرادات النفط في الربع الثالث تراجعت 23% على أساس سنوي، إلى 116.5 مليار ريال، بينما ارتفعت الإيرادات غير النفطية 20% إلى 142.6 مليار ريال. تقرير أداء الموازنة

وتروّج السلطات لنمو الاستثمار المحلي، الذي أوردت المادة أنه بلغ 5.3%، بوصفه دليلاً على نجاح التحول الاقتصادي. لكن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة في سياق مصدره وطريقة احتسابه: فزيادة الإنفاق العام والتمويل الحكومي قد ترفع النشاط الاستثماري، من دون أن تثبت وحدها أن القطاع الخاص بات قادراً على قيادة النمو أو أن الاستثمارات ستوفر عائداً يوازي كلفتها.

كذلك فإن ضخ الأموال العامة في مشاريع طويلة الأجل لا يعفي الحكومة من نشر تفاصيل الإنفاق، والجدول الزمني للعوائد، وحجم الالتزامات التي قد تنتقل إلى الموازنات المقبلة.

وتقع آثار هذه الخيارات في النهاية على المجتمع، لا على دفاتر الحسابات وحدها. فالمواطن يواجه كلفة المعيشة والفواتير والضرائب، بينما تتوسع الحكومة في الاقتراض لتمويل أولوياتها. ومع بقاء ضريبة القيمة المضافة عند 15% واستمرار أعباء الخدمات، يصبح من حق السكان معرفة كيف تُوزّع كلفة العجز، وما إذا كانت المشاريع الكبرى تحسّن مستوى الخدمات والدخل وفرص العمل بالقدر الذي يبرر الإنفاق عليها.

وتقول الحكومة إن الاقتراض يمول التنمية ويحافظ على النمو، وإن نسبة الدين إلى الناتج لا تزال ضمن مستويات قابلة للإدارة. لكن هذا التبرير لا يلغي ضرورة المحاسبة على ترتيب الأولويات، ولا يضمن أن يتحول الإنفاق تلقائياً إلى مكاسب عامة.

فالمخاطر تكمن في استمرار تمويل مشروعات كبيرة بالدين من دون شفافية كافية حول جدواها، وفي تحميل الأجيال المقبلة التزامات مالية مقابل عوائد غير مؤكدة.

لذلك، لا يكفي عرض نسب نمو الاستثمار أو إبراز المشروعات الجديدة للحكم على نجاح السياسة الاقتصادية. المعيار هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات تقلل اعتماد الميزانية على النفط، وتزيد الإنتاجية والدخل، وتحسن حياة المواطنين، مع نشر بيانات واضحة عن العجز والديون والإنفاق.

أما إذا كان النمو يتوسع بالتوازي مع عجز أعلى واقتراض متواصل وضغوط معيشية، فستظل الأرقام البراقة موضع سؤال: من ينتفع من هذا التوسع، ومن يسدد فاتورته؟.

شارك هذا المقال على: