تقارير دولية توثق انكماش الاقتصاد السعودي وتفاقم مخاطر الحرب على القطاعات غير النفطية
تُظهر بيانات رسمية وتقارير دولية أن الاقتصاد السعودي يواجه انكماشاً حاداً، مع تراجع الإنتاج النفطي وتزايد الضغوط على القطاعات غير النفطية بفعل الحرب والتوترات الإقليمية.
وانكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3.8% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2026، وفق تقديرات أولية للهيئة العامة للإحصاء، بعد انكماشه 4.7% في الربع الثاني. ويعد ذلك ثاني فصل متتالٍ من الانكماش السنوي، فيما جاءت الأرقام قبل التصعيد الأخير في المواجهة مع الحوثيين. (بلومبرغ)
ورغم أن وتيرة الانكماش تباطأت مقارنة بالربع السابق، فإن الصورة القطاعية تكشف استمرار اعتماد الاقتصاد على النفط. فقد هبط نشاط القطاع النفطي 20.4% سنوياً، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً قدره 1.9%.
ويعني ذلك أن نمو القطاعات غير النفطية لم يكن كافياً لتعويض التراجع النفطي، الذي يظل المحرك الأبرز للأداء الاقتصادي والإيرادات العامة.
وتكتسب الأرقام أهمية إضافية لأنها لا تشمل تداعيات التصعيد الأخير في الصراع مع الحوثيين. فالتقديرات تعكس أداء الاقتصاد حتى نهاية سبتمبر، قبل أسابيع من هجمات عطلت حركة الطيران في الرياض وأثرت في الفعاليات الكبرى والنشاط التجاري.
وأفادت «بلومبرغ» بأن القلق الاقتصادي بدأ ينتقل من قطاع النفط إلى بقية القطاعات، مع تراكم آثار الهجمات وما تثيره من مخاوف أمنية وتشغيلية.
ووفق تقرير «بلومبرغ»، أودت أسابيع من الضربات المتفرقة بحياة عشرات الأشخاص، وأربكت حركة الطيران في العاصمة، وأجّلت فعاليات بارزة، وأغلقت عملياً أجزاء من الحي المالي في الرياض. كما هبطت الأسهم السعودية بقوة، لتصبح من بين أسوأ الأسواق الناشئة أداءً خلال الشهر.
وتعكس هذه التطورات أن مخاطر الحرب لم تعد مقتصرة على منشآت الطاقة أو صادرات النفط، بل باتت تمتد إلى الخدمات والاستثمار والأنشطة التي تسعى المملكة إلى جعلها ركائز لاقتصادها.
ويضع هذا المسار أهداف التحول الاقتصادي أمام اختبار صعب. فالنمو غير النفطي، الذي تراهن عليه رؤية 2030 لتنويع مصادر الدخل، لم يوقف الانكماش الكلي، فيما تؤثر الاضطرابات الأمنية على قطاعات تعتمد على استقرار البلاد وقدرتها على جذب المستثمرين والسياح واستضافة الفعاليات.
وتكشف الأرقام عن فجوة بين الخطاب الرسمي حول تنويع الاقتصاد وبين استمرار حساسية الناتج المحلي لتراجع النشاط النفطي.
وتتزامن الضغوط مع توقعات مالية أكثر صعوبة. وتشير تقارير إلى أن الحكومة السعودية رفعت تقديرها لعجز ميزانية 2026 إلى 4.9% من الناتج المحلي، وتوقعت انكماش الاقتصاد بنحو 3.6% خلال العام.
وتضع هذه التقديرات الإنفاق العام أمام معادلة صعبة: مواصلة تمويل المشاريع والبرامج الاقتصادية في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية وتتزايد كلفة الاضطرابات.
وفي هذا السياق، حذر جيمس سوانستون، اقتصادي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك باركليز، من أن محدودية قدرة الحكومة على التأثير في الإيرادات النفطية، مع ترددها في خفض الإنفاق العام، قد تقلص خياراتها المالية وتمهد لزيادة الضرائب على السكان.
ونقلت «وول ستريت جورنال» عنه أن تقليص الإنفاق قد يكون غير مقبول سياسياً، في ظل كبر فاتورة أجور القطاع العام؛ وإذا تعذر خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات النفطية، فقد تصبح الإيرادات غير النفطية والضرائب من أبرز أدوات السياسة المالية.
وتضع هذه التحذيرات تكلفة معالجة الأزمة المحتملة على السكان، بينما يواجه الاقتصاد انكماشاً وتراجعاً في سوق الأسهم ومخاطر أمنية متصاعدة. ولا تثبت البيانات أن فرض ضرائب جديدة أصبح قراراً وشيكاً، لكنها تبرز ضيق الخيارات المالية إذا استمر تراجع النشاط النفطي وتعذّر خفض الإنفاق.
وتكشف البيانات والتقارير الدولية، مجتمعة، عن هشاشة الرهان على أن النمو غير النفطي سيعزل الاقتصاد عن صدمات النفط والسياسة الإقليمية. فالانكماش السنوي، وتراجع النشاط النفطي بأكثر من الخمس، وتباطؤ القطاعات غير النفطية، ثم آثار التصعيد على الطيران والفعاليات والأسواق، كلها مؤشرات تضغط على قدرة المملكة على مواصلة خططها الاقتصادية بالوتيرة ذاتها.
ويبقى حجم الأثر النهائي مرهوناً بتطورات الحرب، واستمرار اضطراب حركة الأعمال، وقدرة الحكومة على تمويل التزاماتها دون تحميل السكان أعباء مالية إضافية.
