أين تبخرت وعود الحكومة السعودية بشأن استقدام خمس جامعات عالمية إلى المملكة؟
أعلنت الحكومة السعودية في عام 2024 منح تراخيص لخمس جامعات عالمية لافتتاح فروع لها في المملكة، هي أريزونا ستيت الأمريكية، وولونغونغ الأسترالية، وستراثكلايد الاسكتلندية، والكلية الملكية للجراحين الإيرلندية، وجامعة «آي إي» الإسبانية.
لكن بعد مرور عامين، لم يكتمل افتتاح فرع جامعي واحد لهذه المؤسسات، فيما اتجه بعضها إلى تأجيل مشروعاته أو تقليص حضوره، واكتفى بعضها الآخر بمراكز للدورات القصيرة أو مكاتب محدودة.
وأثار هذا التعثر تساؤلات بشأن مصير الوعود الحكومية، والجامعات التي جاءت بالفعل إلى المملكة، والأسباب التي دفعت المؤسسات العالمية المرخصة إلى التراجع عن خططها الأصلية.
الوعد: الجامعة تأتي إليك
أقرّ مجلس شؤون الجامعات السعودي في عام 2023 لائحة تسمح للجامعات الأجنبية بفتح فروع لها داخل المملكة، بهدف معلن يتمثل في “تطوير منظومة التعليم الجامعي والبحث العلمي، وتنويع خيارات التعليم الجامعي داخل المملكة”.
ورفعت الحكومة سقف التوقعات في مارس 2024، عندما أعلنت وزارتا التعليم والاستثمار، خلال مؤتمر القدرات البشرية في الرياض، منح جامعة ولونغونغ الأسترالية ترخيصًا للعمل في المملكة.
ووقّعت الوزارتان كذلك مذكرة تفاهم مع جامعة أريزونا ستيت الأمريكية لإنشاء جامعة جديدة ومدرسة تابعة لها في الرياض، مع التركيز على توفير تعليم عالي الجودة وتطوير البحث العلمي.
وفي أغسطس 2024، أعلنت وزارة الاستثمار منح تراخيص لخمس جامعات أجنبية، هي أريزونا ستيت الأمريكية، وولونغونغ الأسترالية، وستراثكلايد الاسكتلندية، والكلية الملكية للجراحين الإيرلندية، وجامعة «آي إي» الإسبانية.
وكان من المفترض أن تقدم هذه المؤسسات برامج دراسية في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، تشمل تخصصات الصحة والهندسة والأعمال.
بعد عامين.. وعود لم تتحول إلى فروع جامعية
أريزونا ستيت: شراكة بدلًا من الجامعة الجديدة
وعدت جامعة أريزونا ستيت الأمريكية بإنشاء جامعة جديدة في الرياض، لكن المشروع لم يتحول إلى حرم جامعي مستقل كما أُعلن عنه.
وبدلًا من ذلك، اتفقت الجامعة مع جامعة المملكة، وهي جامعة سعودية خاصة قائمة، على الإشراف على برامجها، بحيث يحصل الطالب على شهادتين، سعودية وأمريكية.
ولم توضح الجامعة أسباب تخليها عن خطة بناء جامعتها الجديدة في الرياض، أو التحول إلى نموذج الشراكة مع مؤسسة تعليمية قائمة.
ولونغونغ: تأجيل بعد تأجيل
حصلت جامعة ولونغونغ الأسترالية على أول ترخيص بين الجامعات الخمس، وأعلنت أنها ستبدأ نشاطها في المملكة عام 2025 بتقديم دورات في اللغة الإنجليزية فقط، على أن يبدأ التعليم الجامعي الفعلي في عام 2027.
لكن لم يظهر حتى الآن ما يؤكد بدء الجامعة نشاطها وفق الخطة المعلنة.
وواجه المشروع اعتراضات من أكاديميين في أستراليا، على خلفية انتقادات تتعلق بمضي الجامعة في التوسع الخارجي بينما كانت تستغني عن موظفين داخل أستراليا.
ستراثكلايد: إعلان ثم تراجع
أعلنت جامعة ستراثكلايد الاسكتلندية في عام 2024 أنها ستقدم برامج للماجستير والدكتوراه داخل جامعة الأميرة نورة في الرياض.
لكنها تراجعت عن المشروع بعد أشهر، معلنة أنها “لا تستطيع المشاركة في الوقت الحالي”، من دون الكشف عن أسباب قرارها.
الكلية الملكية للجراحين وجامعة «آي إي»: حضور محدود
اكتفت جامعة «آي إي» الإسبانية بفتح مركز في الرياض لتقديم دورات قصيرة، بينما اقتصرت أنشطة الكلية الملكية للجراحين الإيرلندية على مكتب.
وتبرز هنا المفارقة مع تجربة الكلية الإيرلندية في البحرين، حيث تدير منذ عام 2004 فرعًا جامعيًا متكاملًا لتدريس الطب، بدلًا من الاكتفاء بحضور محدود كما هو الحال في السعودية.
جامعة نيوهيفن.. الفرع الذي افتتح بالفعل
في مقابل تعثر مشروعات الجامعات الخمس، افتتحت جامعة نيوهيفن الأمريكية فرعًا لها في الرياض، رغم أنها لم تكن ضمن المؤسسات التي شملتها التراخيص الخمسة المعلنة في عام 2024.
وتقع الجامعة في تصنيفات متوسطة نسبيًا؛ إذ يضعها تصنيف صحيفة وول ستريت جورنال ومؤسسة تايمز للتعليم العالي ضمن الفئة من 501 إلى 600، فيما يصنفها «يو إس نيوز» ضمن الجامعات الإقليمية، وليس الجامعات الوطنية الأمريكية.
ولا تمتلك الجامعة مباني مستقلة خاصة بها في الرياض، بل تستخدم مباني في مدينة مسك، المعروفة باسم مدينة الأمير محمد بن سلمان غير الربحية.
وتعتمد الجامعة على الرسوم الدراسية، وتتوقع استقبال ما يصل إلى 500 طالب في دفعتها الأولى. وقال أحد مسؤوليها إن الجامعة لم تبنِ حرمًا جامعيًا خاصًا بها “بسبب قيود التمويل”.
جامعة نيوم.. مشروع لم يبدأ
لم يقتصر التعثر على استقدام الجامعات الأجنبية، بل امتد إلى مشروع جامعة نيوم، التي قُدّمت باعتبارها مؤسسة تعليمية ذات موارد كبيرة، قادرة على منافسة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.
وكان من المفترض أن تبدأ الجامعة استقبال الطلاب في عام 2025، لكن الدراسة لم تبدأ، ولم يصدر إعلان رسمي يوضح مصير المشروع.
وغادر رئيسها المؤسس أندرياس كانجلاريس، الوكيل السابق لجامعة إلينوي الأمريكية، منصبه في مارس 2026، بعد نحو أربع سنوات من العمل، وانتقل إلى منصب مستشار في جامعة الرياض للفنون.
كما ترك دونال برادلي، أستاذ الفيزياء السابق في جامعة أكسفورد، رئاسة مؤسسة نيوم للتعليم والبحث في يوليو 2026.
وأثار رحيل القيادات المعنية تساؤلات إضافية بشأن مستقبل المشروع، في ظل غياب إعلان رسمي يوضح ما إذا كانت الجامعة ستبدأ نشاطها أو ستخضع خططها لإعادة النظر.
كامبريدج وإكستر.. جامعات بريطانية لتدريب العسكريين
في الوقت الذي ينتظر فيه الطلاب السعوديون افتتاح فروع لجامعات عالمية عريقة، اتجهت مؤسسات بريطانية إلى عقد شراكات تعليمية وتدريبية مع جهات عسكرية سعودية.
ففي مايو 2026، وافقت قيادة جامعة كامبريدج على أن تسعى كلية الأعمال التابعة لها إلى إقامة شراكة لتدريب موظفي وزارة الدفاع السعودية في مجالات القيادة والابتكار. وجاء ترتيب الصفقة بمشاركة وزارة الدفاع البريطانية.
وكشفت صحيفة الغارديان في أغسطس 2026 أن جامعة إكستر البريطانية وافقت بدورها على شراكة مع جامعة الدفاع الوطني في الرياض، المعروفة سابقًا باسم كلية القيادة والأركان، لتقديم برنامج ماجستير في الأمن والاستراتيجية لكبار الضباط.
لكن هذه الترتيبات لم تمرّ من دون انتقادات داخل المؤسسات الأكاديمية البريطانية.
ففي كامبريدج، وصف أكاديميون كبار التعاون مع وزارة الدفاع بأنه “مروّع”، بينما وصفت نقابة الأساتذة في إكستر الأموال المرتبطة بالشراكة بأنها “أموال قذرة”.
لماذا تفضّل الجامعات العقود على افتتاح الفروع؟
تواجه الجامعات العالمية تحديات تتعلق بسمعتها الأكاديمية عند الدخول في شراكات مع مؤسسات أو حكومات ترتبط سياساتها بقضايا مثيرة للجدل.
ويختلف افتتاح فرع جامعي متكامل عن توقيع عقد لتقديم برامج تدريبية محدودة؛ إذ يتطلب الفرع إنشاء حرم جامعي، واستقدام أعضاء هيئة التدريس، وتوفير البنية التحتية، وتحمل تكاليف التشغيل، والانتظار سنوات حتى تتمكن المؤسسة من استرداد استثماراتها من الرسوم الدراسية.
كما يضع افتتاح الفرع اسم الجامعة مباشرة في دائرة الانتقادات مع كل أزمة سياسية أو حقوقية مرتبطة بالدولة المضيفة، في حين يمكن تنفيذ العقود التدريبية المحدودة بعيدًا عن مستوى الاهتمام الذي يحظى به إنشاء مؤسسة تحمل اسم الجامعة الأم.
ويبرز هذا التباين في حالة شراكة إكستر، التي وُصفت بأنها “سرية للغاية”، رغم الانتقادات التي أثارتها داخل الجامعة.
إرث مقتل خاشقجي ومخاوف السمعة
أعادت قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في عام 2018 تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المؤسسات الأكاديمية الدولية عندما تدخل في شراكات مع جهات سعودية.
وعقب القضية، تراجعت جامعات كبرى عن بعض علاقاتها مع مؤسسات سعودية؛ إذ أنهت جامعة هارفارد اتفاقية مع مؤسسة مسك، ولم تجدد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عضوية أرامكو في أحد مراكز أبحاثه.
وتوضح هذه التجارب حجم الحساسية التي قد تواجهها الجامعات عند اتخاذ قرار بإنشاء فروع دائمة في المملكة، مقارنة بإبرام عقود محدودة لا تتطلب استثمارات ضخمة أو التزامات طويلة الأمد.
تغيّر الأولويات الحكومية
لم يعد التعليم في صدارة الأولويات الحكومية السعودية بالقدر نفسه الذي كان عليه في مراحل سابقة، وفق الأرقام الواردة في المادة.
ففي عام 2016، خُفضت ميزانية التعليم بنسبة 12 في المئة، من 217 مليار ريال إلى 191 مليار ريال، كما حُصر الابتعاث في أفضل 100 جامعة.
وفي السنوات نفسها، أعلنت المملكة تخصيص 64 مليار دولار لقطاع الترفيه على مدى عقد، وأسست شركة للترفيه برأسمال يبلغ 10 مليارات ريال.
ثم ضخت الحكومة مليارات الدولارات في قطاع الرياضة، من خلال استثمارات شملت نادي نيوكاسل الإنجليزي والغولف وسباقات الفورمولا 1.
وبلغت ميزانية التعليم في عام 2026 نحو 202 مليار ريال، وهو مستوى يقل عن ميزانية عام 2015. كما تراجعت حصة التعليم من الإنفاق الحكومي إلى نحو 15 في المئة، بعدما كانت تقارب الربع.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن مدى اتساق خطط استقدام الجامعات العالمية مع ترتيب الأولويات المالية للحكومة، ومدى توافر الموارد اللازمة لتحويل التراخيص المعلنة إلى مؤسسات تعليمية متكاملة.
معهد أزياء بدلًا من جامعة عالمية
جاء أحدث الأمثلة على التوجهات التعليمية في المملكة خلال الشهر الجاري، عندما أعلن وزير الثقافة، وليس وزير التعليم، إطلاق برامج بكالوريوس وماجستير في تصميم الأزياء وتسويق الأزياء الراقية بالتعاون مع معهد مارانجوني الإيطالي في الرياض.
وأعلنت الدولة كذلك ابتعاث طلاب للدراسة في المعهد، الذي يُعد مؤسسة تعليمية خاصة متخصصة في الأزياء، وليس جامعة.
ويعكس هذا التطور اختلاف طبيعة المشروعات التعليمية التي يجري الترويج لها، بين استقدام جامعات عالمية متكاملة، وتقديم برامج متخصصة أو تدريبية بالشراكة مع مؤسسات أجنبية.
لماذا لم تأتِ الجامعات النخبوية؟
يتطلب افتتاح فرع جامعي متكامل استثمارات كبيرة من الجامعة الأم، تشمل بناء الحرم الجامعي واستقدام الأساتذة وتجهيز المرافق، فضلًا عن تحمل تكاليف التشغيل وانتظار سنوات لاسترداد الأموال من الرسوم الدراسية.
وتتحمل الجامعة كذلك مخاطر تتعلق بسمعتها، خصوصًا عندما تعمل في بيئة سياسية أو حقوقية قد تثير انتقادات دولية.
وفي ظل هذه التحديات، تصبح الشراكات المحدودة والعقود التدريبية أقل كلفة وأقل مخاطرة من إنشاء فروع جامعية متكاملة، ولا سيما إذا لم تتوافر ضمانات مالية كافية لتغطية تكاليف التأسيس والتشغيل.
وعدت السعودية باستقدام جامعات عالمية بهدف “تطوير منظومة التعليم الجامعي والبحث العلمي”، لكن المشروعات التي ظهرت لاحقًا شملت عقودًا لتدريب المؤسسة العسكرية، ومعهدًا متخصصًا في الأزياء، وفرعًا لجامعة لا تمتلك حرمًا جامعيًا مستقلًا في الرياض.
وتشير هذه التطورات إلى أن منح التراخيص وحده لا يكفي لاستقطاب الجامعات العالمية المرموقة؛ إذ يتطلب الأمر تمويلًا مستدامًا، وأولويات واضحة، واستعدادًا لتحمل تكاليف إنشاء مؤسسات تعليمية قادرة على العمل بصورة مستقلة لسنوات طويلة.
