تقرير أممي يعزز المخاوف من التمييز في إعدام الأفارقة في السعودية
أثار تقرير أممي جديد، قُدم إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، مخاوف متصاعدة بشأن الأثر التمييزي لسياسات مكافحة المخدرات وعقوبة الإعدام في السعودية، في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد المواطنين الأفارقة الذين أُعدموا في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي التقرير، الصادر عن الآلية الدولية المستقلة لتعزيز العدالة والمساواة العرقيتين في إنفاذ القانون، في وقت تواجه فيه السلطات السعودية انتقادات حقوقية متزايدة بسبب التوسع في تنفيذ أحكام الإعدام، ولا سيما في قضايا المخدرات التي لا تنطوي على جرائم قتل متعمد.
وحمل التقرير الأممي، الصادر بعنوان “العنصرية المنهجية ضد الأفارقة والمنحدرين من أصل أفريقي في إنفاذ قوانين وسياسات المخدرات”، وناقش الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها السياسات العقابية إلى آثار غير متناسبة بحق الأفارقة والمنحدرين من أصل أفريقي داخل منظومات العدالة الجنائية.
وتكتسب نتائج التقرير أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية، بعدما وثقت منظمات حقوقية ارتفاعاً حاداً في تنفيذ أحكام الإعدام بحق رعايا دول أفريقية، في تحول يثير تساؤلات جدية حول طبيعة تطبيق قوانين المخدرات ومدى ضمان المساواة أمام القضاء.
وأظهرت بيانات وثقتها المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن عدد المواطنين الأفارقة الذين أعدمتهم السلطات السعودية شهد ارتفاعاً كبيراً خلال ثلاث سنوات.
وبحسب البيانات، ارتفع العدد من ستة أشخاص عام 2023 إلى 42 شخصاً عام 2024، قبل أن يقفز إلى 111 شخصاً خلال عام 2025.
وشكل المواطنون الأفارقة، وفق المنظمة، نحو ثلث جميع من نُفذت بحقهم أحكام الإعدام في السعودية خلال عام 2025، بعدما كانت نسبتهم محدودة قبل عامين.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول كبير في طبيعة الفئات التي طالتها حملة الإعدامات، خصوصاً أن الغالبية الساحقة من الأفارقة الذين أُعدموا كانت قضاياهم مرتبطة بالمخدرات.
ومن أصل 111 مواطناً أفريقياً أُعدموا في عام 2025، أُعدم 107 أشخاص في قضايا مخدرات، مقابل أربعة فقط في قضايا قتل، بحسب البيانات التي قدمتها المنظمة.
وشملت الجنسيات الأكثر تضرراً الصوماليين والإثيوبيين والمصريين والنيجيريين والسودانيين، فيما بلغ عدد الرجال الذين أُعدموا 110 رجال، مقابل امرأة واحدة.
وتعزز هذه الأرقام المخاوف من أن تكون حملة الإعدامات في السعودية قد أصابت بصورة غير متناسبة العمال والمهاجرين والرعايا القادمين من دول أفريقية، وهم من الفئات التي تواجه أصلاً ظروفاً قانونية واجتماعية أكثر هشاشة.
وأكد التقرير الأممي أن التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام في قضايا المخدرات يمثل مصدر قلق بالغ، مشدداً على أن جرائم المخدرات لا تندرج ضمن “أشد الجرائم خطورة” وفق المعايير الدولية التي تنظم استخدام عقوبة الإعدام.
وأشار التقرير إلى أن القانون الدولي يحصر تطبيق عقوبة الإعدام، في الدول التي لم تلغها، في الجرائم الأشد خطورة، وهي الجرائم التي تنطوي على قتل متعمد.
وبذلك، فإن استمرار السعودية في تنفيذ أحكام الإعدام في قضايا المخدرات يضع سياساتها العقابية في مواجهة انتقادات حقوقية دولية متزايدة.
ولا يتعلق القلق فقط بطبيعة الجرائم، وإنما أيضاً بالفئات التي تطالها العقوبة. فالتقرير الأممي أشار إلى أن كثيراً من الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام في قضايا المخدرات ينتمون إلى فئات تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، أو إلى أقليات عرقية وإثنية، أو يكونون من الرعايا الأجانب.
وحذر التقرير من أن أي تحيز أو تمييز في مراحل الاعتقال والتحقيق والمحاكمة يمكن أن يتحول، في ظل وجود عقوبة الإعدام، إلى نتيجة نهائية لا يمكن التراجع عنها.
وخلصت الآلية الدولية إلى أن التمييز العنصري في إنفاذ قوانين المخدرات لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حوادث فردية، بل باعتباره ظاهرة قد تكون مرتبطة ببنية السياسات العقابية نفسها.
وأشار التقرير إلى أن سياسات مكافحة المخدرات تطورت تاريخياً داخل منظومات تأثرت بالاستعمار والتراتبية العرقية، وأن ما يعرف بـ”الحرب على المخدرات” أدى في العديد من الدول إلى التنميط العرقي والإفراط في الاعتقال والسجن.
كما حذر من أن الغموض القانوني، واتساع الصلاحيات التقديرية لأجهزة إنفاذ القانون، وضعف المساءلة، يمكن أن تفتح المجال أمام نتائج تمييزية.
وتزداد خطورة هذه الظروف، وفق التقرير، عندما تتقاطع الهوية العرقية مع الهجرة والفقر وعدم القدرة على الحصول على تمثيل قانوني فعال.
وفي السعودية، يثير ذلك تساؤلات إضافية بشأن أوضاع الرعايا الأجانب الذين يواجهون النظام القضائي في قضايا خطيرة قد تنتهي بالإعدام.
وترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن المهاجرين والرعايا الأجانب قد يواجهون عوائق تتعلق بالحصول على محامين مؤهلين، والترجمة، والتواصل مع عائلاتهم، وفهم الإجراءات القضائية.
وقدمت المنظمة بالاشتراك مع Harm Reduction International وJMD Training and Consulting، مساهمة إلى الآلية الدولية المستقلة خلال إعداد التقرير الأممي.
وتضمنت المساهمة بيانات وتحليلات حول التصاعد الكبير في إعدام مواطني الدول الأفريقية في السعودية، والعوائق التي قد تواجه المهاجرين خلال تعاملهم مع الشرطة والنيابة والمحاكم والسجون.
واستند التقرير الأممي إلى هذه المساهمة في عدد من المواضع المتعلقة بالأثر غير المتناسب لإنفاذ قوانين المخدرات، والتمييز في الاعتقال والاحتجاز وإصدار الأحكام.
وترى المنظمة أن الارتفاع الكبير في إعدام الأفارقة لا يمكن تجاهله باعتباره مجرد صدفة إحصائية، خصوصاً مع تركز الإعدامات بصورة شبه كاملة في قضايا المخدرات.
وبحسب المنظمة، فإن القوانين قد تبدو محايدة في نصوصها، لكنها يمكن أن تنتج آثاراً غير متناسبة عندما يجري تطبيقها داخل منظومة تعاني من اختلالات تتعلق بالهجرة والفقر والعرق والجنسية.
ويبرز هنا سؤال خطير أمام السلطات السعودية: لماذا ارتفع عدد الأفارقة الذين أُعدموا من ستة فقط عام 2023 إلى 111 شخصاً عام 2025؟
فهذا التحول الكبير يستوجب، وفق منظمات حقوقية، تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في أسباب التفاوت، وفي ظروف الاعتقال والمحاكمات والتمثيل القانوني التي سبقت تنفيذ أحكام الإعدام.
وبينما تسعى السعودية إلى تقديم نفسها دولياً بوصفها دولة تشهد إصلاحات وانفتاحاً واسعاً، تكشف أرقام الإعدامات والتقرير الأممي عن صورة مختلفة، تضع سجل المملكة الحقوقي أمام انتقادات متصاعدة.
ومع انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، تتجدد الدعوات إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام في قضايا المخدرات، وضمان المحاكمات العادلة، والتحقيق في المخاوف المتعلقة بالتمييز ضد الأفارقة والرعايا الأجانب.
وتبقى القفزة من ستة إعدامات لأفارقة عام 2023 إلى 111 إعداماً عام 2025 رقماً يصعب على السلطات السعودية تجاهله، ويعزز المطالب الدولية بالكشف عن حقيقة ما يجري داخل منظومة العدالة السعودية قبل أن تتحول عقوبة الإعدام إلى المحطة الأخيرة لمسار قد تكون بدايته تمييزاً وانتهى بحكم لا رجعة فيه.
