تراجع الإقبال على التجنيد في السعودية.. وجهٌ آخر لفشل محمد بن سلمان
سلطت تقارير وتحليلات حديثة الضوء على تراجع الإقبال على التجنيد والالتحاق بالسلك العسكري في السعودية، في ظل استمرار الحملات الإعلانية التي تطلقها الجهات العسكرية لاستقطاب المتقدمين، بالتزامن مع نقاشات أوسع حول التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية بعد سنوات من الحرب في اليمن.
وتشير معطيات استندت إلى تحليل بيانات مرتبطة بمنصات التوظيف والتسجيل في الكليات العسكرية وبرامج التجنيد إلى استمرار نشر إعلانات التوظيف العسكري بصورة مكثفة من جانب وزارة الدفاع، ووزارة الحرس الوطني، ووزارة الداخلية، ممثلة في حرس الحدود، إضافة إلى منصات القبول الموحد للتجنيد، في محاولة لاستقطاب متقدمين جدد. وتواصل الحكومة السعودية فتح باب التقديم إلكترونيًا عبر منصة القبول العسكري الموحد.
وكانت وظائف التجنيد في السعودية قبل عام 2015 من أكثر الوظائف طلبًا داخل المملكة، حيث ارتبطت بمستوى مرتفع من الإقبال، لكن هذا المشهد تغير خلال السنوات اللاحقة، مع استمرار الحرب في اليمن وما رافقها من خسائر بشرية وتحديات ميدانية.
وبدأ التراجع ملحوظًا منذ الحرب على اليمن في 2015 ومقتل آلاف الجنود السعوديين، الأمر الذي جعل الشبان ينفرون من السلك العسكري.
ومع وضوح عدم اتزان محمد بن سلمان وعبثيته، وعدم اكتراثه بأرواح الجنود ومصلحة الوطن العليا، وتوثيق ارتكابه جرائم حرب وحشية في اليمن، تراجع الإقبال على التجنيد بشكل كبير، حيث باتت وزارات الدفاع، الحرس الوطني، الداخلية(حرس الحدود) والكليات العسكرية وبرامج التجنيد المختلفة تنشر إعلاناتها بشكل مكثف وغير مسبوق منذ أشهر، ومع ذلك لا تستطيع تأمين العدد المطلوب في الدورات التدريبية والتوظيفية.
ولا توجد بيانات رسمية سعودية منشورة تؤكد وجود انخفاض في أعداد المتقدمين للتجنيد، إلا أن محللين يعتبرون استمرار الحملات الإعلانية الخاصة بالتوظيف العسكري مؤشراً يستحق المتابعة في سياق احتياجات القوات المسلحة إلى استقطاب كوادر جديدة.
ويعيد عدد من الباحثين هذه التحديات إلى طبيعة التجربة العسكرية السعودية خلال الحرب في اليمن، التي أظهرت فجوة بين حجم الإنفاق العسكري والقدرة العملياتية على الأرض.
وفي هذا السياق، سبق أن اعتبر محلل الاستخبارات الأمريكي السابق مايكل شوركين، أن أبرز التحديات التي واجهتها القوات السعودية لا ترتبط بنقص التسليح، وإنما بطبيعة العقيدة العسكرية وهيكل القيادة وآليات الترقية داخل المؤسسة العسكرية.
وأشار شوركين إلى أن العلاقات الشخصية والولاءات السياسية لعبت دوراً مؤثراً في تشكيل القيادات العسكرية أكثر من معايير الكفاءة والخبرة.
كما تناولت دراسات متخصصة عدداً من الإشكالات البنيوية داخل المؤسسة العسكرية السعودية، من بينها تعدد الأجهزة الأمنية والعسكرية وتوزيع الصلاحيات بينها، وهي سياسة يرى باحثون أنها ارتبطت تاريخياً باعتبارات حماية النظام السياسي أكثر من بناء قيادة عسكرية موحدة.
ويشير باحثون إلى أن هذا النموذج أدى إلى تشتت الموارد وضعف التنسيق بين بعض التشكيلات العسكرية، رغم امتلاك المملكة واحدة من أكبر ميزانيات الدفاع في العالم، وعقود تسليح بمليارات الدولارات مع شركات غربية.
وتشير تقارير بحثية إلى أن القوات السعودية اعتمدت خلال مراحل مختلفة من الحرب في اليمن على دعم خارجي في بعض الجوانب اللوجستية والعملياتية، بما في ذلك خدمات التزود بالوقود جواً والدعم الفني، وهو ما اعتبره خبراء دليلاً على الحاجة إلى تطوير القدرات المحلية وتعزيز الكفاءات البشرية.
كما رصدت تقارير إعلامية ودراسات مستقلة خلال سنوات الحرب وقائع تتعلق بأسر ومقتل جنود سعوديين، إضافة إلى شكاوى تداولها بعض العسكريين السابقين أو ذويهم بشأن أوضاع الرعاية أو التعويضات.
وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة تطورات أمنية جديدة مع تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية والبحر الأحمر، حيث تحدثت تقارير غربية عن استعدادات سعودية لاحتمال توسيع العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثي، في ظل استمرار الهجمات على الملاحة والمنشآت المرتبطة بالمملكة.
ويرى مراقبون أن أي توسع محتمل في العمليات العسكرية قد يزيد من أهمية الحفاظ على مستويات كافية من الجاهزية البشرية داخل القوات المسلحة، الأمر الذي يجعل برامج التجنيد والتأهيل العسكري إحدى الأولويات خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكدون أن التحدي لا يقتصر على استقطاب مجندين جدد، بل يمتد إلى الاحتفاظ بالكفاءات الفنية والمتخصصة، خصوصاً في مجالات الصيانة والتشغيل والدعم التقني، وهي قطاعات تتطلب تدريباً مستمراً وخبرات متقدمة.
كما تشير دراسات تناولت بنية المؤسسة العسكرية السعودية إلى أن تطوير الأداء لا يرتبط فقط بزيادة الإنفاق أو تحديث التسليح، وإنما يتطلب إصلاحات مؤسسية تشمل تطوير منظومة القيادة، وتعزيز التدريب العملي، وربط الترقيات بالكفاءة المهنية والإنجاز الميداني.
