محمد بن سلمان يعيد خلط أوراق حكومته بعد إخفاقات التعدين والصناعات العسكرية
قالت أوساط دولية إن التعديل الوزاري الأخير في السعودية يعكس ضغوطًا متزايدة تواجه القطاعات الاقتصادية التي يعول عليها ولي العهد محمد بن سلمان لتنفيذ “رؤية 2030″، في ظل تعثر عدد من المشاريع الاستراتيجية وعدم تحقيق الأهداف المعلنة في مجالات التعدين والصناعات العسكرية.
وأبرز موقع سيمافور الأمريكي أن المملكة شهدت تعديلا وزاريا شمل قطاعي الصناعة والدفاع، بحيث أُسندت وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلفًا لبندر الخريف، الذي نُقل لتولي الإشراف على الهيئة العامة للصناعات العسكرية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة ترتيب الملفات التي تشهد أداءً دون التوقعات.
وأشار سيمافور إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد أشهر فقط من تعيين فهد السيف، أحد أبرز مسؤولي صندوق الاستثمارات العامة، وزيرًا للاستثمار خلفًا لخالد الفالح، بما يعكس استمرار إعادة تشكيل الفريق الاقتصادي المكلف بتنفيذ مشاريع رؤية 2030، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات متزايدة لتحقيق أهداف التنويع الاقتصادي.
ورغم إعلان الرياض أن قطاع التعدين يمثل “الركيزة الثالثة” للاقتصاد السعودي إلى جانب النفط والبتروكيماويات، فإن التقرير أوضح أن النتائج الميدانية جاءت أقل بكثير من الطموحات الحكومية، رغم تقدير المملكة قيمة ثرواتها المعدنية بنحو 2.5 تريليون دولار.
ولفت التقرير إلى أن الحكومة السعودية فصلت وزارة الصناعة والثروة المعدنية عن وزارة الطاقة عام 2019 بهدف منح القطاع اهتمامًا مستقلاً وتسريع استثمارات التعدين، إلا أن السنوات الماضية لم تشهد الزيادة المأمولة في الإنتاج، كما لم تنجح المملكة في جذب العدد المستهدف من الشركات الأجنبية الكبرى للعمل في هذا القطاع.
ورأى التقرير أن إعادة ضم الملف الصناعي إلى عبد العزيز بن سلمان تعكس رغبة القيادة السعودية في منح شخصية نافذة مسؤولية مباشرة عن القطاعات المتعثرة، لكنها في الوقت ذاته تضع أعباءً إضافية على وزير يشرف بالفعل على أحد أكثر الملفات حساسية، وهو قطاع الطاقة وإدارة السياسة النفطية للمملكة.
وأضاف أن عبد العزيز بن سلمان سيكون مسؤولًا عمليًا عن الركائز الاقتصادية الثلاث الرئيسية، وهي النفط والبتروكيماويات والتعدين، في وقت يواجه فيه سوق النفط تحديات غير مسبوقة نتيجة انخفاض الأسعار، واستمرار التوترات الإقليمية، واضطرابات حركة الملاحة في الخليج بعد التطورات العسكرية الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي يزيد الضغوط على قطاع الطاقة السعودي.
وأشار سيمافور إلى أن الوزير الجديد يواصل أيضًا إدارة ملف تحالف “أوبك+”، الذي يواجه تحديات متزايدة للحفاظ على تماسكه في ظل تباين مصالح الدول المنتجة وتراجع فعالية سياسات خفض الإنتاج في دعم الأسعار.
وفي موازاة ذلك، أكد التقرير أن قطاع الصناعات العسكرية، الذي انتقل للإشراف عليه بندر الخريف، يمثل بدوره أحد الملفات الأكثر تعثرًا في رؤية 2030، رغم أنه يحظى بأولوية سياسية وأمنية لدى القيادة السعودية.
وتستهدف المملكة توطين 50% من إنفاقها العسكري بحلول عام 2030، إلا أن البيانات الرسمية تشير إلى أن نسبة التوطين كانت لا تزال أقل من 25% حتى عام 2024، ما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على شركات التسليح الأجنبية.
وربط التقرير بين هذا التحدي والتطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، موضحًا أن الحرب مع إيران واستنزاف منظومات الدفاع الجوي خلال الأشهر الماضية سلطا الضوء على هشاشة الاعتماد الكامل على الموردين الخارجيين، وصعوبة الحصول على إمدادات سريعة في أوقات الأزمات.
واعتبر سيمافور أن التعديلات الحكومية الأخيرة تعكس إدراكًا رسميًا بأن عدداً من القطاعات الأساسية لم يحقق النتائج التي رُسمت لها عند إطلاق رؤية 2030، وهو ما دفع القيادة السعودية إلى إعادة توزيع المسؤوليات أملاً في تسريع التنفيذ.
في المقابل، يرى مراقبون أن التعديلات المتكررة داخل حكومة المملكة تعكس استمرار تركيز عملية صنع القرار في يد محمد بن سلمان الذي يقود بصورة مباشرة عملية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإعادة توزيع المناصب بين الشخصيات المقربة منه بما يتوافق مع أولوياته السياسية والاقتصادية.
ويبرز هؤلاء أن نقل الحقائب الوزارية بين المسؤولين لا يعالج بالضرورة المشكلات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السعودي، في ظل استمرار اعتماد المالية العامة على إيرادات النفط، وتأخر تحقيق العوائد المنتظرة من مشاريع التنويع الضخمة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بجذب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع كلفة المشروعات العملاقة.
كما أن الجمع بين ملفات الطاقة والصناعة والتعدين تحت إدارة وزير واحد يعكس حجم الضغوط التي تواجه الحكومة في هذه المرحلة، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة مؤسسة واحدة على إدارة ملفات استراتيجية بهذا الحجم، خاصة في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والإقليمية التي تلقي بظلالها على مستقبل تنفيذ رؤية 2030.
وخلص تقرير سيمافور إلى أن التعديل الوزاري الأخير يعكس محاولة سعودية لإعادة تنشيط القطاعات التي تأخر أداؤها عن تحقيق الأهداف المعلنة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة لإثبات قدرة مشاريع التنويع الاقتصادي على تحقيق نتائج ملموسة بعد سنوات من إطلاق رؤية 2030.
