تسريب لمحمد بن سلمان يثير تساؤلات بشأن التقارب السعودي الإسرائيلي
أثارت تقارير بشأن تسريب صوتي منسوب إلى ولي العهد محمد بن سلمان، يتضمن حديثًا عن تنسيق عسكري مع إسرائيل ضد الحوثيين في اليمن، تساؤلات بشأن التقارب السعودي الإسرائيلي ومستقبل التعاون بين الرياض وتل أبيب في ظل التصعيد الإقليمي المتواصل.
كشف التسريب المتداول أن إسرائيل شاركت إلى جانب السعودية في عمليات عسكرية ضد الحوثيين لأكثر من أسبوعين، وأنها نفذت أكثر من 500 غارة جوية خلال أسبوع واحد على مواقع داخل اليمن بالتنسيق مع العمليات العسكرية السعودية.
كما يتضمن التسريب تأكيدات من محمد بن سلمان بشأن دفع مبالغ مالية ضخمة لإسرائيل والولايات المتحدة مقابل عمليات عسكرية استهدفت زعيم حزب الله اللبناني السابق حسن نصر الله وإيران.
ويأتي تداول التسريب في وقت شهدت فيه العلاقات السعودية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية تحركات سياسية ودبلوماسية أثارت اهتمامًا واسعًا، خصوصًا قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023.
وأشارت تحليلات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن الرياض اتبعت قبل الحرب نهجًا تدريجيًا نحو التقارب مع إسرائيل، شمل السماح للطائرات الإسرائيلية باستخدام المجال الجوي السعودي، إلى جانب مؤشرات على تعاون أمني واتصالات سياسية غير مباشرة.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى إلى دفع السعودية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ضمن مساعٍ أوسع لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتعزيز التعاون بين واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط.
وشكلت المخاوف المشتركة بشأن النفوذ الإيراني أحد العوامل التي دفعت باتجاه التقارب السعودي الإسرائيلي، إذ تنظر الدولتان إلى الدور الإيراني الإقليمي باعتباره تحديًا لمصالحهما الأمنية والاستراتيجية، رغم اختلاف حساباتهما ومواقفهما بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
لكن هذا المسار لم يتحول إلى اتفاق تطبيع رسمي بين السعودية وإسرائيل، كما شهدت المواقف السعودية تغيرًا ملحوظًا بعد اندلاع الحرب في غزة وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
وأكدت الرياض في تصريحات ومواقف رسمية أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ترتبط بالتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية، تشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتشير تحليلات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي المنشورة في فبراير 2026 إلى تراجع فرص التطبيع في ظل الحرب في غزة، وتصاعد الرفض الشعبي السعودي للعلاقات مع إسرائيل، وتزايد المخاوف من السياسات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
كما اتجهت السعودية إلى التشديد على رفض الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وأكدت في مواقف رسمية ضرورة حماية حقوق الشعب الفلسطيني والتوصل إلى حل سياسي يضمن إقامة دولته المستقلة.
وفي يوليو 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية سيكون مشروطًا بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويعكس ذلك استمرار المساعي الأميركية لربط التعاون الاستراتيجي مع الرياض بخطوات نحو التطبيع.
ويتزامن الجدل بشأن العلاقات السعودية الإسرائيلية مع تصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن، واتساع نطاق التوتر المرتبط بالحرب مع إيران.
وحديثا كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن إدارة ترامب لا تزال تتمسك بشرط تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل قبل المضي قدماً في اتفاق التعاون النووي المدني مع الرياض، في خطوة تبرز ارتباط المشروع النووي بالمساعي الأميركية لتوسيع اتفاقيات أبراهام، رغم استمرار الموقف السعودي المعلن الذي يشترط مساراً واضحاً لإقامة دولة فلسطينية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية تأكيده استمرار شرط التطبيع، بعدما أعلنه ترامب في يوليو الماضي. ويكشف الإصرار الأميركي على هذا الربط عن مسار دبلوماسي معلن يسعى إلى استخدام التعاون النووي والحوافز الاقتصادية لتعزيز فرص إقامة علاقات رسمية بين الرياض وتل أبيب، لكنه لا يثبت أن السعودية وافقت على التطبيع أو تراجعت عن شروطها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
وأفادت الصحيفة بأن وثائق سرية قُدمت إلى الكونغرس تضمنت تقييماً لأجهزة الاستخبارات الأميركية يشير إلى أن السعودية لم تستبعد خيار تطوير أسلحة نووية، ما أثار مخاوف مشرعين من أن يتحول الاتفاق المدني إلى مدخل لامتلاك قدرات يمكن استخدامها مستقبلاً لأغراض عسكرية.
وتأتي هذه المخاوف بينما يخضع الاتفاق لمراجعة الكونغرس، وسط خلافات بشأن شروط تخصيب اليورانيوم والضمانات الرقابية المرافقة له.
وأثار الاتفاق جدلاً إضافياً بعدما كشفت تفاصيله عن إمكانية السماح بتخصيب اليورانيوم داخل السعودية مستقبلاً، خلافاً لاتفاقات نووية أميركية سابقة فرضت قيوداً أكثر صرامة على الدول التي لا تمتلك منشآت تخصيب.
وذكرت الصحيفة أن الاتفاق يقيد التخصيب مبدئياً بنسبة تقل عن 5 في المائة، لكنه يتيح رفعها إلى نحو 20 في المائة بعد دراسة إضافية واتفاق مكتوب، الأمر الذي أثار اعتراضات مشرعين وخبراء في منع الانتشار النووي، بالنظر إلى حساسية امتلاك قدرات التخصيب وإمكانية استخدامها لأغراض غير مدنية.
وحذر أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، بينهم إد ماركي وجيف ميركلي، من أن الإدارة الأميركية تقدم تنازلات غير مسبوقة للرياض، معتبرين أن السماح بإنتاج الوقود النووي محلياً، بدلاً من استيراده، يفتح الباب أمام مخاطر أمنية يصعب احتواؤها مستقبلاً.
وانتقد ميركلي اعتماد واشنطن على التعهدات السعودية، داعياً إلى فرض قيود واضحة على التخصيب وإعادة المعالجة، وإخضاع البرنامج لعمليات تفتيش دولية واسعة النطاق.
وتتركز اعتراضات أخرى على غياب إلزام السعودية بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يتيح إجراءات تحقق موسعة، وسط مخاوف من صعوبة الكشف عن أي أنشطة نووية غير معلنة.
في المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن الاتفاق سيمنع انتشار الأسلحة النووية ويضمن خضوع أي نشاط سعودي حساس لضوابط أميركية، إلى جانب إتاحة عقود بمليارات الدولارات للشركات الأميركية، وتقليص فرص دخول روسيا والصين إلى قطاع الطاقة النووية السعودي.
وتؤكد الرياض أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية وتنويع مصادر الطاقة، بينما سبق لولي العهد محمد بن سلمان أن أعلن عام 2018 أن المملكة ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا طورت إيران قنبلة نووية، وهو تصريح يستند إليه معارضو الاتفاق للتحذير من احتمالات سباق تسلح إقليمي.
وفي موازاة الجدل النووي، تبرز إسرائيل طرفاً أساسياً في الحسابات الأميركية المرتبطة بالصفقة. ويضع هذا التطور السعودية أمام مسارين متداخلين: الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية التي تسعى إليها، والتعامل مع المطالب الأميركية المتجددة بإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.
ولا يزال التباين قائماً بين هذا الشرط وموقف الرياض المعلن بشأن ضرورة وجود مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية، في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية لهذا التوجه.
وتتزامن هذه الخلافات مع تحركات داخل الكونغرس لعرقلة الاتفاق، ومطالبات بكشف تفاصيله السرية وتوضيح مدى ارتباطه بالتطبيع. ويأمل مشرعون ديمقراطيون في حشد الدعم اللازم لرفض الصفقة خلال فترة المراجعة البرلمانية، غير أن تجاوز أي اعتراض رئاسي محتمل يتطلب أغلبية معززة يصعب ضمانها.
