بحث في المقالات

فضائح السعودية

بعد حذف فلسطين من الخرائط.. المناهج السعودية تعيد رسم صورة الصراع مع إسرائيل

بواسطة سعودي ليكس 22 أغسطس، 2026 التعليقات: 0
بعد حذف فلسطين من الخرائط.. المناهج السعودية تعيد رسم صورة الصراع مع إسرائيل

تُظهر التعديلات التي شهدتها المناهج الدراسية السعودية خلال الأعوام الأخيرة تحولاً متدرجاً في الطريقة التي تُقدَّم بها فلسطين وإسرائيل والقدس للأجيال الجديدة، وسط حذف أو تعديل مضامين كانت حتى وقت قريب جزءاً من الخطاب التعليمي السعودي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي.

ورصد تقرير حديث لمعهد IMPACT-se، نُشر في يوليو/تموز الماضي، تغييرات في 136 كتاباً مدرسياً سعودياً مستخدمة خلال العامين الدراسيين 2024-2025 و2025-2026، شملت الخرائط والمصطلحات والعبارات المرتبطة بفلسطين وإسرائيل والقدس.

وأبرز ما تكشفه هذه المراجعة أن اسم “فلسطين”، الذي كان يظهر في طبعات سابقة على خرائط تغطي كامل الأرض الواقعة بين البحر والنهر، اختفى من عدد من الخرائط في الإصدارات اللاحقة، فيما بقيت المنطقة نفسها من دون تسمية واضحة في بعض الكتب.

وكانت مراجعة سابقة للمعهد نفسه، شملت 371 كتاباً منشوراً بين عامي 2019 و2024، قد وثقت بالفعل إزالة اسم فلسطين في بعض الخرائط التي كانت تستخدم التسمية سابقاً، مع استمرار عدم وضع اسم إسرائيل عليها أيضاً.

وأشار التقرير إلى أن بعض الخرائط الجديدة أزالت أسماء الدول غير المجاورة للسعودية، بينما جرى في حالات أخرى حذف التسميات بصورة أوسع، وهو ما يجعل الحديث عن “حذف فلسطين من جميع المناهج” غير دقيق، لكنه لا يلغي حقيقة اختفاء الاسم من خرائط كان موجوداً فيها سابقاً.

ولا تقف التغييرات عند الخرائط. فقد اختفت من بعض الإصدارات الحديثة عبارة كانت ترد في الكتب المدرسية السعودية وتؤكد أن “المسلمين لن يتخلوا أبداً عن القدس”، بعد أن كانت موجودة في طبعة العام الدراسي 2023-2024، وفق المراجعة الحديثة للمناهج. كما شملت التعديلات تخفيفاً في اللغة المستخدمة لوصف إسرائيل.

وفي أحد كتب التاريخ للمرحلة الثانوية، جرى استبدال وصف “العدو الصهيوني” بعبارة “الاحتلال الإسرائيلي”، في سياق الحديث عن المساعدات السعودية لمصر وسوريا خلال حرب عام 1973.

ورغم أن مصطلح “الاحتلال الإسرائيلي” لا يمثل اعترافاً سياسياً بإسرائيل أو تبريراً لوجودها، فإن الانتقال من خطاب “العدو” إلى خطاب أقل حدة يعكس تحولاً واضحاً في اللغة التعليمية الرسمية.

وكانت المراجعات السابقة قد وثقت أيضاً حذف أو تعديل مضامين كانت تقدم الصهيونية بوصفها حركة عنصرية أوروبية تسعى إلى طرد الفلسطينيين والتوسع في الأراضي العربية، إلى جانب إزالة فصل كامل كان يتناول القضية الفلسطينية في أحد الكتب التي ألغيت ضمن النظام التعليمي السابق.

ويصف IMPACT-se هذه التغييرات بأنها جزء من مسار إصلاح تعليمي يعزز مفاهيم “السلام والتعايش والتسامح”، وهو توصيف يتبناه المعهد الإسرائيلي الذي يقيس المناهج وفق معايير مستمدة من منظمة اليونسكو.

غير أن قراءة التعديلات من زاوية القضية الفلسطينية تفتح سؤالاً مختلفاً: ما الذي يعنيه أن تتراجع فلسطين تدريجياً من الخرائط والمصطلحات والعبارات التعليمية، بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي على الأرض وتتصاعد جرائمه بحق الفلسطينيين؟

فالمنهج الدراسي يؤدي دوراً في تشكيل الذاكرة السياسية والوعي التاريخي للأجيال الجديدة. وحين تتحول فلسطين من اسم حاضر على الخريطة إلى مساحة بلا تسمية، وتختفي عبارات التمسك بالقدس، وتتراجع اللغة التي كانت تصف إسرائيل باعتبارها عدواً، فإن ذلك يمثل تحولاً في البيئة الثقافية والسياسية التي يتلقى الطالب السعودي من خلالها فهمه للصراع.

ولا يعني ذلك، وفق الوقائع الرسمية المتاحة، أن السعودية تخلت عن الاعتراف بفلسطين أو تبنت رسمياً الرواية الإسرائيلية. فوزارة الخارجية السعودية ما تزال تؤكد أن موقف المملكة من إقامة الدولة الفلسطينية “راسخ وثابت”، وأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل لن يتم من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

لكن المفارقة تكمن في اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الرسمي وبين المسار الذي ترصده التعديلات التعليمية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الرياض تمسكها بالدولة الفلسطينية، تظهر الكتب المدرسية اتجاهاً نحو تخفيف حضور القضية الفلسطينية وإعادة صياغة صورة إسرائيل والصهيونية والقدس.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ جاءت تعديلات السنوات الأخيرة بعد سنوات من الحديث عن احتمال انضمام السعودية إلى مسار التطبيع العربي مع إسرائيل، رغم أن حرب غزة وما رافقها من إبادة واسعة وانتهاكات إسرائيلية أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الرأي العام العربي.

وبينما لم يصل الأمر، وفق الأدلة المتاحة، إلى حذف فلسطين من المنهاج السعودي بالكامل أو إلى اعتراف رسمي بإسرائيل، فإن ما وثقته التعديلات الأخيرة يكشف مساراً مقلقاً: فلسطين لم تختف رسمياً من السياسة السعودية، لكنها بدأت تتراجع في بعض صفحات المنهج والخرائط واللغة التي يتعلم من خلالها الطلاب تاريخ الصراع مع إسرائيل.

 

شارك هذا المقال على: