تحليل: لماذا قد تنقلب حملة حجب الحسابات المعارضة في السعودية على أهدافها؟
تكشف موجة حجب الحسابات المعارضة التي صعّدت السلطات السعودية تنفيذها خلال الأسابيع الأخيرة عن رهان متجدد على السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي، في وقت تشهد فيه البيئة الإعلامية داخل المملكة مستويات غير مسبوقة من الرقابة.
إلا أن هذا الرهان يبدو أقرب إلى استعادة أدوات تقليدية لم تعد تنسجم مع طبيعة الإنترنت الحديثة، حيث يتحول الحجب في كثير من الأحيان إلى وسيلة تمنح المحتوى المعارض انتشاراً أكبر بدلاً من القضاء عليه.
وجاءت أحدث الإجراءات بعد حجب حسابات معارضة بارزة، من بينها منصة “مفتاح” وحسابات شخصيات معارضة، استجابة لطلبات رسمية تقدمت بها الحكومة السعودية إلى شركات التكنولوجيا، في إطار سياسة تهدف إلى تضييق مساحة الخطاب المخالف للرواية الرسمية وإحكام السيطرة على تدفق المعلومات داخل المملكة.
وتعكس هذه الخطوة استمرار النهج الذي اتبعته السلطات خلال السنوات الماضية، والقائم على تقليص المجال العام وإخضاع الإعلام التقليدي والرقمي لرقابة مشددة، مستندة إلى منظومة تشريعية واسعة تشمل نظام مكافحة الإرهاب ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، اللذين استخدما في ملاحقة صحفيين وناشطين بسبب منشورات أو آراء سياسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت سياسة الحجب تحقق أهدافها كما كانت قبل سنوات؟
المشهد الرقمي العالمي تغير بصورة جذرية. فلم يعد الوصول إلى المعلومات محكوماً بالحدود الجغرافية أو بقرار يصدر إلى منصة لحجب حساب داخل دولة معينة. فهناك مئات التطبيقات والخدمات التي تتيح تجاوز الحجب خلال ثوان، وفي مقدمتها شبكات VPN التي أصبحت متاحة بسهولة لملايين المستخدمين، إضافة إلى تعدد المنصات التي تسمح بإعادة نشر المحتوى فوراً بمجرد إزالته من منصة أخرى.
ومن هنا، فإن حجب الحسابات قد لا يؤدي إلى اختفاء الرسالة، بل يمنحها زخماً إضافياً. فكل قرار حجب يثير فضول شريحة جديدة من المستخدمين للبحث عن أسباب المنع، ويحول الحساب أو المنصة المستهدفة إلى مادة للنقاش والتداول خارج الحدود التي حاولت السلطات فرضها.
وتاريخ الإنترنت مليء بأمثلة تؤكد أن محاولات المنع كثيراً ما جاءت بنتائج معاكسة، إذ يؤدي ما يعرف في الدراسات الإعلامية بـ”تأثير سترايسند” إلى زيادة انتشار المحتوى بعد محاولة حجبه، نتيجة الاهتمام الجماهيري الذي يرافق قرارات المنع.
ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت توفر للمستخدمين وسائل متعددة للوصول إلى المعلومات وتحليلها وتلخيصها، فضلاً عن إمكانية العثور على مصادر بديلة للمحتوى المحجوب خلال ثوان معدودة. وهذا يعني أن السيطرة على منصة أو حساب لم تعد تعني السيطرة على تدفق المعلومات كما كان الحال قبل سنوات.
وتأتي هذه السياسة في وقت تواجه فيه المملكة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، رغم استمرار المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030. فارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاقتصادية على شرائح من المواطنين يمثلان موضوعاً متكرراً في النقاشات العامة، وهو ما يجعل السيطرة على الخطاب الرقمي أكثر صعوبة، لأن أسباب الجدل لا ترتبط فقط بالمحتوى المنشور، وإنما أيضاً بالواقع الذي يعيشه المواطنون.
وفي مثل هذه الظروف، يرى مراقبون أن الاقتصار على المعالجة الأمنية والإعلامية قد لا يكون كافياً لاحتواء حالة الاحتقان، لأن منع تداول الانتقادات لا يعني بالضرورة زوال أسبابها. بل إن غياب النقاش المفتوح قد يدفع جزءاً من الجمهور إلى البحث عن منصات بديلة أو الاعتماد على مصادر خارجية للحصول على المعلومات.
وتعزز هذه الصورة المؤشرات الدولية المتعلقة بحرية الإعلام في السعودية. فقد تراجعت المملكة إلى المرتبة 176 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، وسط انتقادات متواصلة للقيود المفروضة على الصحفيين والناشطين، واستمرار الملاحقات المرتبطة بالتعبير السلمي على الإنترنت.
كما تشير تقارير حقوقية إلى أن معظم وسائل الإعلام المحلية تعمل ضمن إطار الرواية الرسمية، في ظل رقابة مباشرة ورقابة ذاتية واسعة، الأمر الذي جعل منصات التواصل الاجتماعي تمثل خلال السنوات الماضية إحدى المساحات القليلة المتبقية للنقاش العام، وهو ما يفسر تركيز السلطات بصورة متزايدة على هذا الفضاء.
وفي المقابل، تواصل الحكومة السعودية الاستثمار في بناء صورة خارجية تركز على مشروعات الترفيه والسياحة والاستثمار والفعاليات الرياضية، إلا أن استمرار الانتقادات الحقوقية المتعلقة بحرية التعبير يحد من قدرة هذه الحملات على إبعاد الاهتمام الدولي عن ملف الحريات.
ويبدو أن الرهان على الحجب بوصفه أداة لإدارة الرأي العام يتجاهل حقيقة أساسية فرضها العصر الرقمي، وهي أن السيطرة على المعلومة أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فكلما توسعت أدوات الحجب، توسعت في المقابل وسائل تجاوزها، وكلما ضاقت مساحة التعبير في منصة، انتقلت النقاشات إلى منصات أخرى أو إلى أدوات رقمية أكثر تطوراً.
وفي ظل هذا الواقع، قد تحقق قرارات الحجب أثراً مؤقتاً يتمثل في تقليص الوصول المباشر إلى بعض الحسابات داخل المملكة، لكنها تبدو أقل قدرة على منع تداول الأفكار أو احتواء النقاش العام. بل إن استمرار هذا النهج قد يسهم في منح الحسابات المستهدفة حضوراً أكبر، ويعزز الاهتمام بالمحتوى الذي تسعى السلطات إلى تقييده، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على فرض سيطرة كاملة على الفضاء الرقمي.
