مخاوف داخل أوساط أمراء آل سعود من عودة “ريتز كارلتون” مع تفاقم الأزمة الاقتصادية

كشفت مصادر مطلعة عن تصاعد حالة القلق داخل أوساط أمراء عائلة آل سعود الحاكمة وسط مخاوف من لجوء ولي العهد محمد بن سلمان إلى إعادة تفعيل حملة الاعتقالات والمصادرات التي شهدها فندق “الريتز كارلتون” عام 2017، في ظل أزمة مالية متفاقمة تواجهها المملكة.
وبحسب المصادر، غادر عدد من أمراء آل سعود إلى الخارج خلال الأسابيع الأخيرة، بينما اتخذ آخرون إجراءات لحماية أموالهم وممتلكاتهم وتحويل أجزاء من ثرواتهم إلى خارج المملكة، خشية فتح ملفات مالية جديدة تحت ذريعة مكافحة الفساد أو معالجة العجز المالي المتصاعد.
وتشير التقديرات المتداولة داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية السعودية إلى أن حجم الضغوط المالية الحالية قد يصل إلى نحو تريليون ريال، مقارنة بالحملة السابقة التي قالت السلطات السعودية إنها جمعت خلالها نحو 800 مليار ريال من التسويات المالية التي فُرضت على أمراء ورجال أعمال ومسؤولين سابقين خلال احتجازهم في فندق “الريتز كارلتون” بالرياض.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه السعودية مرحلة مراجعة اقتصادية شاملة بعد مرور عشر سنوات على إطلاق برنامج “رؤية 2030”، الذي قدّمه محمد بن سلمان عام 2016 بوصفه مشروعاً لتحويل الاقتصاد السعودي وإنهاء اعتماده على النفط.
ورغم التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك زيادة مشاركة النساء في سوق العمل وتراجع نفوذ المؤسسات الدينية التقليدية، فإن الاقتصاد السعودي لا يزال يعتمد بصورة أساسية على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.
وأبرزت تقارير دولية، بينها تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أن الطفرة النفطية التي شهدتها المملكة خلال عامي 2021 و2022 دفعت الحكومة إلى إطلاق مشاريع ضخمة ذات طابع استعراضي، شملت مدناً مستقبلية ومنشآت سياحية وترفيهية ومبادرات رياضية مكلفة، قبل أن تكشف تراجعات أسعار النفط لاحقاً حدود القدرة التمويلية للدولة.
ومع تزايد الضغوط المالية، بدأت السلطات السعودية بإعادة تقييم العديد من هذه المشاريع، عبر تأجيل بعضها وتقليص أو إلغاء مشاريع أخرى وُصفت بأنها مفرطة في الطموح مقارنة بالعوائد المتوقعة منها.
وشملت المراجعات مشاريع بارزة مثل مدينة “تروجينا” الجبلية ضمن مشروع “نيوم”، وناطحة السحاب العملاقة “المكعب”، إضافة إلى مراجعة حجم الإنفاق على المبادرات الرياضية، ومنها دوري “LIV Golf”، فيما تم بالفعل تأجيل استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029.
وفي هذا السياق، أعلن محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان عن استراتيجية جديدة تركز على “الكفاءة” وإعادة ترتيب الأولويات، مؤكداً أن الصندوق السيادي، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، سيعيد تقييم المشاريع والتركيز على “الضروري” منها وتأجيل المبادرات غير الأساسية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد تداعيات الحرب والتوترات الإقليمية، خاصة بعد تأثر صادرات النفط عبر مضيق هرمز وارتفاع المخاطر الأمنية الناتجة عن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي طالت المنطقة خلال الأشهر الماضية.
ويرى محللون اقتصاديون أن الأزمة الحالية تعكس استمرار الارتهان الكامل لأسعار النفط، رغم سنوات من الحديث الرسمي عن تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الطاقة كمصدر رئيسي للدخل.
وأكد خبراء أن الميزانية السعودية سجلت عجزاً خلال معظم السنوات العشر الماضية، باستثناء سنة واحدة فقط، مع توقعات باستمرار العجز خلال السنوات المقبلة، رغم فرض ضرائب ورسوم جديدة على المواطنين والقطاع الخاص.
ويقول مراقبون إن التوسع الضخم في المشاريع العملاقة خلال سنوات الوفرة النفطية تجاوز القدرات التمويلية الحقيقية للدولة، ما دفع السلطات إلى الانتقال من خطاب “التحول التاريخي” إلى خطاب “الكفاءة وترشيد الإنفاق”.
وفي موازاة ذلك، تواجه مشاريع “رؤية 2030” انتقادات متزايدة بسبب حجم الإنفاق الضخم والنتائج المحدودة على أرض الواقع، خاصة في مشروع “نيوم”، الذي شهد عمليات تهجير واسعة لمجتمعات محلية لإفساح المجال أمام مشاريع لا تزال أجزاء كبيرة منها متعثرة أو غير مكتملة.
كما تثير طريقة إدارة المشاريع الاقتصادية تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السعودية والدولية، في ظل غياب الشفافية بشأن حجم الأموال التي أُنفقت على المشاريع المؤجلة أو الملغاة، وعدم وجود رقابة مستقلة على القرارات الاقتصادية الكبرى.
ويرى المراقبون أن تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية بيد شخص واحد جعل القرارات الاستثمارية مرتبطة باعتبارات سياسية وشخصية أكثر من ارتباطها بدراسات جدوى واقعية، ما أدى إلى تضخم الإنفاق وتزايد المخاطر المالية.
ورغم الضغوط الحالية، تواصل السعودية الاستثمار في مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي وألعاب الفيديو، إلى جانب استعداداتها لاستضافة فعاليات عالمية كبرى، أبرزها معرض “إكسبو 2030” وكأس العالم 2034، وهي مشاريع تعتبرها السلطات أولوية استراتيجية لا يمكن التخلي عنها.
لكن محللين يؤكدون أن مستقبل هذه المشاريع سيظل مرتبطاً بشكل مباشر بأسعار النفط وقدرة الدولة على تمويل الإنفاق الضخم، محذرين من أن أي تراجع جديد في الإيرادات قد يدفع الرياض إلى خيارات أكثر قسوة لمعالجة أزمتها المالية، وسط مخاوف متصاعدة داخل العائلة الحاكمة من تكرار سيناريو “الريتز كارلتون” بصورة أوسع وأكثر حدة.




