تفاصيل شبكة علاقات صادمة نسجها جيفري إبستين في الديوان الملكي السعودي

كشفت وثائق مسربة من أرشيف مؤسسة “EFTA” تفاصيل مثيرة حول شبكة علاقات صادمة نسجها رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين داخل دوائر النفوذ في الديوان الملكي السعودي، في مسار تجاوز العلاقات الاجتماعية التقليدية إلى تقديم استشارات تتعلق بملفات حساسة مرتبطة بالأمن والاقتصاد ورؤية السعودية المستقبلية.
وبحسب الوثائق، فإن بداية تحركات إبستين نحو الخليج لم تنطلق من السعودية، بل عبر قطر أواخر عام 2015، حيث سعى إلى بناء شبكة علاقات مع شخصيات نافذة في المنطقة عبر تسويق ما وصفته الوثائق بـ”خدمات الوصول إلى النخب”.
وأظهرت الوثائق أن إبستين تواصل في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 مع شخصيات مرتبطة بعائلة آل ثاني في قطر، وعرض تقديم تسهيلات خاصة للانضمام إلى نادي “ذا كور كلوب” الحصري في مانهاتن، وهو النادي الذي كان يمثل منصة تجمع لرجال الأعمال والسياسيين وأصحاب النفوذ في الولايات المتحدة.
ووفقاً للوثائق، فإن إبستين كان يعتمد على بناء النفوذ عبر تقديم بوابة اتصال مباشرة مع مراكز القوة الأمريكية والغربية، مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة في عالم المال والسياسة والاستخبارات.
وتكشف الوثائق أن البوابة التي فتحت أمام إبستين الطريق إلى الديوان الملكي السعودي جاءت عبر الدبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن، الذي لعب دور الوسيط في ترتيب لقاءات بين إبستين ومسؤولين سعوديين.
وأشارت المراسلات المسرّبة إلى وجود بريد إلكتروني في مارس/آذار 2016 جرى خلاله التنسيق لعقد لقاء بين لارسن ورأفت الصباغ، في خطوة اعتبرتها الوثائق محطة مفصلية في انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية.
وبعد شهرين فقط من ذلك اللقاء، عُيّن الصباغ مستشاراً في الديوان الملكي السعودي بمرتبة وزير، الأمر الذي اعتبرته الوثائق تطوراً لافتاً تزامن مع توسع حضور إبستين داخل دوائر القرار المرتبطة بالمملكة.
ومع تعيين الصباغ، استقبل إبستين المسؤول السعودي الجديد في منزله الفاخر بمانهاتن في لقاء وصفته الوثائق بأنه لم يكن “عشاءً اعتيادياً”، بل مناسبة لإظهار حجم النفوذ الذي يتمتع به رجل الأعمال الأمريكي داخل النخبة السياسية والاقتصادية الأمريكية.
وضمت قائمة الحضور شخصيات بارزة، بينها وزير خزانة أمريكي سابق، ومستشارة سابقة في البيت الأبيض، إضافة إلى رجل أعمال يوصف بأنه قريب من دوائر الاستخبارات، في مشهد اعتبرته الوثائق بمثابة “عرض قوة” مخصص لإبهار الضيف السعودي الجديد.
وتوضح الوثائق أن العلاقة بين إبستين وبعض المسؤولين السعوديين تطورت سريعاً خلال أشهر قليلة، لتصبح “عزيزة الأحمدي” حلقة الوصل اليومية في التنسيق والتواصل.
وفي يوليو/تموز 2016، كشفت إحدى الرسائل المتبادلة عن ما وصفته الوثائق بـ”الحميمية غير الرسمية” التي تجاوزت حدود البروتوكول، بعدما أطلق رأفت الصباغ مزحة حول “منح إبستين حق اللجوء السياسي بسبب ذكائه في الرياضيات”، في إشارة اعتبرتها الوثائق دليلاً على طبيعة العلاقة المتنامية بين الطرفين.
وبحسب التسريبات، فإن دور إبستين لم يقتصر على العلاقات الشخصية أو اللقاءات الاجتماعية، بل امتد إلى تقديم نصائح واستشارات مرتبطة بملفات حساسة داخل المملكة.
وتضمنت تلك الملفات تقييم تداعيات قانون “جاستا” الأمريكي، الذي أثار مخاوف سعودية واسعة آنذاك بسبب إمكانية ملاحقة المملكة قضائياً داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى تقديم آراء مرتبطة بملف الطرح العام لشركة أرامكو ضمن مشاريع “رؤية 2030”.
كما تحدثت الوثائق عن استخدام تطبيق “سيغنال” المشفر للتواصل بشأن عمليات التحقق من شهادات جامعية تخص شخصيات مهمة، في مؤشر على مستوى الثقة الذي وصل إليه إبستين داخل بعض دوائر القرار.
وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تترقب نتائج الانتخابات الرئاسية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان إبستين موجوداً في الرياض في زيارة وصفتها الوثائق بالحساسة.
وأظهرت التسريبات أن إبستين اصطحب معه خلال الزيارة عشيقته “كارينا شولياك”، التي دخلت المملكة بصفة “عضو ضمن طاقم الطائرة”، مستخدمة زياً رسمياً وشارات مزورة، وفقاً لما ورد في الوثائق، بهدف تجاوز تعقيدات التأشيرة نظراً لكونها تحمل الجنسية البيلاروسية.
وخلال الزيارة، التقى إبستين بولي ولي العهد السعودي آنذاك محمد بن سلمان، حيث تحدثت الوثائق عن تكليف يتعلق بمراجعة منطقة التنمية الاقتصادية ضمن مشاريع “رؤية 2030”، ووضع تصورات وخطط مرتبطة بمستقبل الاقتصاد السعودي.
وتقول الوثائق إن إبستين خرج من تلك الاجتماعات بحزمة واسعة من المعلومات المرتبطة بالمؤسسات الاستراتيجية السعودية، وهو ما اعتبرته التسريبات “صيداً ثميناً” لرجل اعتاد بناء نفوذه عبر جمع المعلومات وتوسيع شبكات العلاقات.
وعقب الزيارة، كشفت الوثائق عن قيام الجانب السعودي بإرسال “خيمة بدوية” متكاملة إلى جزيرة إبستين الخاصة، شملت السجاد والتفاصيل التقليدية المستخدمة في المجالس السعودية.
كما أشارت التسريبات إلى عرض سعودي بشحن رمال ونخيل من المملكة لتجهيز الخيمة بصورة تحاكي المجالس الرسمية في الرياض، في خطوة وصفتها الوثائق بأنها تعكس مستوى العلاقة التي تشكلت بين الطرفين.
ومع تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد عام 2017، أظهرت الرسائل المسرّبة تزايد اهتمام شخصيات دولية بإبستين وعلاقاته الجديدة داخل السعودية.
وتضمنت الرسائل تهنئة من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، فيما نقل رجل الأعمال الأمريكي روبرت كون رسالة قال فيها إن صورة إبستين مع محمد بن سلمان “باتت تساوي ثروة”.
وتشير الوثائق إلى أن إبستين راهن مبكراً على صعود ولي العهد السعودي الشاب، ونجح في بناء شبكة علاقات عابرة للحدود امتدت من بكين إلى تل أبيب مروراً بالرياض، مستفيداً من حضوره داخل دوائر المال والسياسة والاستخبارات الدولية.
وتخلص الوثائق المسرّبة إلى أن جيفري إبستين تمكن، حتى اللحظات الأخيرة قبل سقوطه المدوي، من نسج خيوط نفوذ داخل أعلى مراكز القوة العالمية، في واحدة من أكثر الشبكات غموضاً وإثارة للجدل خلال العقود الأخيرة.



