متفرقات سعودية

الديون تُفاقم أزمة المالية العامة في السعودية وسط إنفاق غير منتج

يرصد التقرير المالي للربع الأول من عام 2026 تصاعد الضغوط على الميزانية السعودية في ظل اتساع فجوة العجز وتزايد الاعتماد على أدوات الديون، ما يعكس مسارًا ماليًا مثقلًا بالمخاطر المرتبطة بسياسات ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية.

وسجل إجمالي الإيرادات خلال الربع الأول نحو 260 مليار ريال، مقابل مصروفات بلغت 386 مليار ريال، ما يعني عجزًا مباشرًا يناهز 126 مليار ريال خلال ثلاثة أشهر فقط، في مؤشر واضح على اختلال التوازن المالي واستمرار الإنفاق المرتفع دون تحقيق عوائد مقابلة.

ويعكس هذا العجز نمطًا متكررًا منذ أواخر عام 2022، حين بدأت السعودية خفض إنتاج النفط لدعم الأسعار العالمية، ما أدى إلى تراجع الإيرادات النفطية، المصدر الرئيسي للدخل، دون أن يقابله خفض فعلي في الإنفاق، خصوصًا المرتبط بالمشاريع الضخمة.

ويظهر المسار المالي أن الحكومة السعودية لجأت بشكل متزايد إلى الاقتراض لتمويل العجز، في تحول لافت عن سياسات سابقة كانت تتجنب الاعتماد المكثف على الدين. ويؤكد هذا الاتجاه توسع إصدارات السندات والصكوك، سواء من قبل الحكومة أو عبر صندوق الاستثمارات العامة.

ويشير تحليل البيانات إلى أن الدين العام قفز من 142.2 مليار ريال في عام 2015 إلى أكثر من 1.1 تريليون ريال بحلول الربع الأول من 2024، بزيادة تقارب 784% خلال أقل من عقد، وهو ارتفاع غير مسبوق في تاريخ المالية العامة للمملكة .

وتترافق هذه القفزة مع ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 5.7% إلى أكثر من 26% خلال الفترة نفسها، مع توقعات بمواصلة الصعود في السنوات المقبلة، ما يعكس تسارع وتيرة الاقتراض مقارنة بنمو الاقتصاد.

ويسجل الدين الخارجي بدوره توسعًا ملحوظًا، إذ ارتفع من الصفر تقريبًا في 2015 إلى نحو 450 مليار ريال، ما يمثل أكثر من 40% من إجمالي الدين العام، وهو ما يعكس انكشافًا متزايدًا على الأسواق الدولية وتكاليف التمويل الخارجية.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن السعودية أصبحت أكبر مقترض بين الأسواق الناشئة خلال عام 2024، متجاوزة الصين، في تطور يعكس حجم الضغوط التمويلية الناتجة عن العجز وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي.

وتوضح البيانات أن مبيعات السندات من الكيانات السعودية تجاوزت 33 مليار دولار خلال فترة قصيرة، مع استمرار الطروحات بوتيرة متسارعة، ما دفع مؤسسات مالية إلى التحذير من تأثير هذا المسار على التصنيف الائتماني وتكلفة الاقتراض.

ويسلط هذا التوسع في الدين الضوء على طبيعة المشاريع الضخمة المرتبطة بـ”رؤية 2030″، والتي تستهلك موارد مالية ضخمة دون تحقيق عوائد فورية، وعلى رأسها مشروع “نيوم”، الذي يتطلب استثمارات بمئات المليارات.

وتكشف التقارير المالية عن تراجع مستويات السيولة لدى صندوق الاستثمارات العامة إلى نحو 15 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى منذ بدء الإفصاح عن بياناته، رغم إدارته أصولًا تقارب 778 مليار دولار، ما يعكس ضغطًا كبيرًا على السيولة المتاحة.

ويدفع هذا التراجع الحكومة إلى ضخ مزيد من الأموال في الصندوق أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية التزامات المشاريع، ما يضاعف المخاطر المالية ويضع الميزانية أمام خيارات محدودة.

وتظهر محاولات الحكومة لتمويل الإنفاق عبر بيع الأصول، بما في ذلك طرح أسهم في شركة “أرامكو”، محدودية العوائد مقارنة بالتوقعات، إذ لم تتجاوز حصيلة الطرح 11.2 مليار دولار، رغم توقعات سابقة بجمع ما يصل إلى 50 مليار دولار.

وتعكس هذه الفجوة بين التوقعات والواقع ضعف قدرة الأصول السيادية على تغطية احتياجات التمويل المتزايدة، ما يعزز الاعتماد على أدوات الدين كمصدر رئيسي للتمويل.

وتشير التحليلات إلى أن الاستثمارات الأجنبية لم تحقق المستهدفات المعلنة، وهو ما يحرم الاقتصاد من أحد الركائز الأساسية التي كان يُفترض أن تدعم التحول الاقتصادي وتخفف الضغط على المالية العامة.

ويرتبط هذا التراجع بعوامل عدة، منها التوترات الجيوسياسية، ومخاوف المستثمرين من البيئة التنظيمية، إضافة إلى حجم المخاطر المرتبطة بالمشاريع الضخمة غير المجربة.

ويؤكد المسار الحالي أن الاقتصاد السعودي بات أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط، في ظل استمرار اعتماده على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق، رغم الخطاب الرسمي حول تنويع الاقتصاد.

ويبرز هذا التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية كأحد أبرز ملامح السياسات الاقتصادية الحالية، حيث يستمر الإنفاق المرتفع دون تحقيق تنويع فعلي في مصادر الدخل.

ويحذر خبراء ماليون من أن استمرار وتيرة الاقتراض الحالية قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التمويل، وتآكل الثقة في الاستقرار المالي، خاصة في حال استمرار العجز وتراجع الإيرادات.

وتضع هذه المؤشرات المالية مجتمعة الميزانية السعودية أمام تحديات هيكلية متصاعدة، في ظل سياسات توسعية تعتمد على الدين لتمويل مشاريع طويلة الأجل، دون وضوح كافٍ بشأن العوائد الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى