أرقام العجز تفضح الوهم: أكبر خسارة ربع سنوية منذ 2020 تُعرّي فشل رؤية 2030

سجلت السعودية أكبر عجز ربع سنوي في ميزانيتها منذ عام 2020، في مؤشر مالي ثقيل الدلالة يضرب في صميم الوعود المتكررة حول “تنويع الاقتصاد” ونجاعة رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان.
فبحسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة المالية السعودية، بلغ العجز في الربع الرابع من عام 2025 نحو 94.9 مليار ريال (25.4 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى يُسجَّل خلال خمسة أعوام، مدفوعًا بانخفاض أسعار النفط وتراجع الإنتاج، في وقت لم تُثمر فيه سنوات الإنفاق الضخم عن بدائل حقيقية للإيرادات النفطية.
وبذلك، ارتفع إجمالي عجز الميزانية لعام 2025 إلى نحو 276.6 مليار ريال، مقارنة بـ115.6 مليار ريال فقط في 2024، أي أكثر من الضعف خلال عام واحد.
وتعبر هذه القفزة عن هشاشة بنيوية في نموذج اقتصادي لا يزال أسير النفط، رغم حملات الترويج المتواصلة لمشاريع “ما بعد النفط”.
والمفارقة أن الحكومة كانت قد توقعت في نهاية العام الماضي عجزًا أقل بكثير في ميزانية 2026، عند حدود 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، أي أقل من تقديراتها الحالية لعجز 2025 البالغة 245 مليار ريال.
لكن هذه التوقعات المتفائلة سرعان ما تصطدم بواقع مزدوج: تراجع الإيرادات النفطية من جهة، وانفلات الإنفاق من جهة أخرى، إذ تجاوز الإنفاق الفعلي ما هو مُقدّر في الميزانية بنحو 4%.
ورغم خطورة هذه المؤشرات، اختار وزير المالية محمد الجدعان تسويق العجز بوصفه خيارًا سياسيًا واعيًا، لا فشلًا في التخطيط.
ففي تصريحات لوكالة رويترز قبل يوم واحد من صدور الميزانية، قال الجدعان إن “هذا عجز مُصمَّم”، مضيفًا أن المملكة “ستظل تعاني من العجز حتى عام 2028 بموجب اختيارها السياسي”.
ويعمق هذا التبرير، بدل أن يطمئن الأسواق والرأي العام، الشكوك حول جدوى السياسات الاقتصادية الحالية. فـ“العجز المصمّم” يعني عمليًا الاستمرار في ضخ المليارات في مشاريع عملاقة ذات عوائد غير مؤكدة، من المدن الذكية إلى الفعاليات الترفيهية، بينما تتراكم الالتزامات المالية وتُستنزف الاحتياطيات وتتعاظم الديون.
وعلى مدار أعوام، جرى تقديم رؤية 2030 بوصفها خطة تحول تاريخية تُخرج الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط، وتخلق مصادر دخل مستدامة.
لكن أرقام العجز الأخيرة تشير إلى أن الرؤية لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى المالية العامة. فالاقتصاد لا يزال يتأرجح مع كل هبوط في أسعار النفط، والقطاعات “البديلة” لم تبلغ بعد حجمًا يسمح بامتصاص الصدمات.
الأخطر أن هذا المسار يأتي في وقت يتزايد فيه الضغط الاجتماعي والاقتصادي، مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وفرض ضرائب ورسوم غير مسبوقة على المواطنين، في مقابل استمرار الإنفاق السخي على مشاريع استعراضية تخدم الصورة السياسية أكثر مما تخدم الاستقرار المالي.
ولا يبدو العجز القياسي مجرد رقم في دفاتر الميزانية، بل شهادة جديدة على إخفاق نموذج اقتصادي بُني على الوعود أكثر من الوقائع.
وبينما تُصرّ الحكومة على وصف الخسائر بأنها “مخططة”، تظل الحقيقة الأوضح أن رؤية 2030، بعد ما يقرب من عقد على إطلاقها، لم تنجح في حماية المالية السعودية من العودة إلى مربع الأزمات، ولا في إقناع المراقبين بأن المستقبل أقل اعتمادًا على النفط وأكثر استدامة مما كان عليه الماضي.




