فضائح السعودية

عشاء الشبات في واشنطن يكشف ازدواجية الخطاب السعودي حول التطبيع

في وقت تواصل فيه السلطات السعودية الترويج العلني لخطاب مشروط بشأن التطبيع مع إسرائيل، وتربطه رسمياً بوقف الحرب على غزة وتحقيق “حل الدولتين”، جاءت مشاركة السفيرة السعودية في واشنطن ريما بنت بندر في عشاء شبات مغلق بالعاصمة الأميركية لتكشف فجوة متسعة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، وتعيد طرح تساؤلات جدية حول حقيقة الموقف السعودي من مسار التطبيع.

فالعشاء، الذي استضافه الحاخام يهودا كابلون بدعوة من المبعوث الأميركي الخاص لمكافحة ما تُسميه واشنطن “معاداة السامية”، أُقيم في ما يُعرف بـ معهد دونالد ترامب للسلام، وحضره عشرات الدبلوماسيين وكبار مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى شخصيات دبلوماسية عربية بارزة، من بينها السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة.

وبحسب ما نقله موقع “Jewish Insider”، تحدثت ريما بنت بندر خلال العشاء عن “مدى قرب السعودية وإسرائيل من التطبيع قبل هجمات 7 أكتوبر 2023” في إشارة إلى هجوم طوفان الأقصى للفصائل الفلسطينية الذي ردت عليه تل أبيب بحرب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين.

وأعربت ريما بنت بندر عن أملها في “العودة إلى تلك المرحلة” رغم ما وصفته بتعثر الجهود حالياً.

ونقل الموقع عن أحد الحاضرين، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: “لقد دعا السعوديون إلى التطبيع. من كان يتوقع ذلك؟”.

وقد بدت هذه التصريحات، الصادرة في مناسبة دينية يهودية مغلقة، صادمة لكثيرين، ليس فقط لأنها تأتي في ذروة حرب إسرائيلية مدمرة على غزة، بل لأنها تتناقض بوضوح مع الخطاب السعودي الرسمي الذي يحاول الظهور بمظهر الحريص على الحقوق الفلسطينية، ويؤكد في كل مناسبة أن التطبيع “ليس مطروحاً” دون أفق سياسي حقيقي للفلسطينيين.

واللافت أن الحاخام يهودا كابلون، الذي استضاف السفيرة السعودية، ينتمي إلى حركة حباد، وهي جماعة يهودية حريدية معروفة بدعمها الصريح لفكرة “أرض إسرائيل الكاملة”، وتبنيها مواقف دينية وسياسية متطرفة تشرعن احتلال فلسطين وترفض أي تسوية تقوم على إنهاء الاحتلال.

ووجود ممثلة رسمية للمملكة في ضيافة شخصية كهذه، وفي سياق احتفالي ديني، يطرح علامات استفهام حول طبيعة الرسائل التي تحرص الرياض على إيصالها في الكواليس.

وتزداد هذه التساؤلات حدة مع الإشارة إلى أن كابلون نفسه كان ضيفاً على وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في الرياض قبل عشرة أيام فقط، في زيارة لم تُقابل بأي توضيح رسمي للرأي العام السعودي أو العربي حول أهدافها وسياقها.

ويعزز هذا التراكم من اللقاءات غير المعلنة الانطباع بأن قنوات التواصل مع أطراف دينية وسياسية إسرائيلية فاعلة لم تُغلق يوماً، حتى في ذروة التصعيد العسكري في غزة.

ومن زاوية نقدية، لا تبدو مشاركة ريما بنت بندر حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل حلقة في نمط متكرر من الرسائل المزدوجة: خطاب علني موجّه إلى الداخل العربي والإسلامي، يرفع سقف الشروط ويُظهر الرياض كطرف “متأنٍ” و“مسؤول”، مقابل خطاب آخر يُقال في الغرف المغلقة في واشنطن، يُعيد إحياء فكرة أن التطبيع كان قاب قوسين أو أدنى، وأن العائق ظرفي وليس مبدئياً.

ويعكس هذا السلوك وفق مراقبين، رغبة سعودية في الحفاظ على موقع متقدم في أي ترتيبات إقليمية مقبلة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة أمام الرأي العام العربي الغاضب.

لكنه في الوقت نفسه يضعف مصداقية الخطاب السعودي، ويغذي شعوراً متزايداً بأن القضية الفلسطينية تُستخدم كورقة تفاوضية، لا كالتزام سياسي وأخلاقي ثابت.

كما أن الظهور السعودي في مناسبات تُدار تحت مظلة “مكافحة معاداة السامية” في واشنطن، بينما تتجاهل هذه المنصات ما يجري في غزة من قتل جماعي ودمار واسع، يكرّس انطباعاً بأن الأولويات الغربية والإقليمية المتحالفة معها لا تزال تميل إلى حماية إسرائيل سياسياً وأخلاقياً، حتى وهي ترتكب انتهاكات موثقة بحق المدنيين الفلسطينيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى