قصة انهيار أكبر مشروع تكنولوجي سعودي وتبديد المليارات

كشف موقع Semafor عن مؤشرات تعثر كبيرة في أحد أبرز مشاريع التحول الاقتصادي في السعودية، بعد إقالة الرئيس التنفيذي لشركة “آلات” أميت ميدها، في خطوة تعكس أزمة عميقة داخل أكبر مشروع كان يُقدَّم بوصفه ركيزة لنهضة تكنولوجية شاملة.
وأُطلقت شركة “آلات” في 1 فبراير 2024 بقرار مباشر من ولي العهد محمد بن سلمان، الذي ترأس مجلس إدارتها، ورُصد لها تمويل ضخم بلغ 100 مليار دولار، بهدف تحويل المملكة إلى مركز عالمي للصناعات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة.
وحُددت أهداف الشركة في ثلاثة محاور رئيسية: توفير 39 ألف وظيفة مباشرة، والمساهمة بنحو 35 مليار ريال في الناتج المحلي، وإنتاج أكثر من 30 منتجًا تقنيًا متقدمًا. إلا أن الوقائع تشير إلى أن هذه الأهداف بقيت في إطار الوعود دون تحقق فعلي.
وتشير بيانات منصة PitchBook إلى أن عدد موظفي “آلات” لم يتجاوز 107 موظفين بعد أكثر من عامين على إطلاقها، أي ما يعادل 0.27% فقط من الهدف المعلن. ويعني ذلك أن الشركة تحتاج إلى توظيف عشرات الموظفين يوميًا حتى عام 2030 للوصول إلى الرقم المستهدف، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين التخطيط والتنفيذ.
ويثير هذا الرقم تساؤلات حول جدية برامج التوظيف، خاصة في ظل غياب بيانات واضحة عن نسبة السعوديين ضمن هذا العدد، رغم تقديم المشروع كأداة لمعالجة البطالة.
على المستوى المالي، لا تظهر أي مؤشرات على تحقيق عوائد. فوفق بيانات الميزانية، لم تسجل الشركة أي إيرادات ضمن القطاعات غير النفطية، رغم ضخ مليارات الدولارات في مشاريع وشراكات متعددة.
وفي جانب الإنتاج، لم تتمكن الشركة من تصنيع أي منتج من أصل أكثر من 30 منتجًا وعدت بها، رغم مرور أكثر من عامين على تأسيسها، ما يعكس غياب القدرة التنفيذية.
أولى الصفقات الكبرى كانت مع SoftBank بقيمة 150 مليون دولار لتصنيع روبوتات صناعية، مع وعود بإنشاء مصنع وإنتاج تقنيات متقدمة. إلا أن المشروع لم يتحقق، بعد تراجع الشريك وإصدار تصريحات غامضة حول مستقبل التعاون.
لاحقًا، أعلنت الإدارة عن خطط لتصدير الروبوتات خلال عام 2025، لكن هذه التصريحات لم تُترجم إلى أي نتائج على الأرض.
في صفقة أخرى، استثمرت الشركة 200 مليون دولار في شركة Dahua Technology، رغم إدراجها على القائمة السوداء الأمريكية، قبل أن تتراجع عن الاستثمار تحت ضغوط سياسية، ما يعكس غياب وضوح في الاستراتيجية الاستثمارية.
كما شملت الاستثمارات اتفاقيات مع Carrier، واستحواذًا على حصة في TK Elevator بقيمة تُقدّر بمليارات اليورو، دون ظهور نتائج إنتاجية أو صناعية حتى الآن.
وقد تواصلت الإخفاقات مع وعود بإنتاج الحواسيب والخوادم ثم الهواتف الذكية، دون تنفيذ أي منها، ما عزز صورة المشروع كمجموعة من الخطط غير المنفذة.
وجاءت إقالة الإدارة التنفيذية في هذا السياق، لكنها لا تعالج جذور الأزمة، التي ترتبط ببنية المشروع وآليات إدارته، خاصة في ظل الإشراف المباشر من أعلى المستويات.
وتشير هذه التطورات إلى خلل هيكلي في إدارة المشاريع الكبرى، حيث يتم الإعلان عن أهداف ضخمة دون وجود منظومة تنفيذية قادرة على تحقيقها، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد دون نتائج.
وتعكس تجربة “آلات” تحديات أوسع تواجه مشاريع التحول الاقتصادي، حيث يصطدم الطموح السياسي بواقع التنفيذ المعقد، في ظل غياب المحاسبة الفعلية.
ويظهر ذلك أن المشروع، الذي كان يُقدَّم كرمز لنهضة تكنولوجية، تحوّل إلى مثال على الفجوة بين الخطط والنتائج، في وقت تبقى فيه التساؤلات قائمة حول مصير الاستثمارات الضخمة التي لم تحقق أي أثر ملموس حتى الآن.




