تصدعات داخلية وقلق متصاعد يضربان صورة السعودية الجديدة

كشفت منصة Semafor الإخبارية الدولية عن تصدعات داخلية وقلق متصاعد داخل العاصمة السعودية الرياض، رغم محاولات السلطات إظهار الأوضاع على أنها مستقرة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيرة إلى أن “الهدوء المتوتر” الذي تعيشه المملكة يخفي اهتزازاً متزايداً في الثقة بمشروع التحول السعودي.
وبحسب تقرير للصحفي ماثيو مارتن، رئيس مكتب سيمافور في السعودية، فإن الرياض دخلت مرحلة جديدة من القلق السياسي والاقتصادي والاجتماعي عقب وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل/نيسان الماضي.
ورغم أن السعودية لم تتعرض لحجم الضربات الإيرانية التي طالت بعض دول الخليج الأخرى، فإن الهجمات التي استهدفت السفارة الأمريكية في الرياض ومواقع أخرى داخل المملكة تركت آثاراً عميقة على المزاج العام.
وأشار التقرير إلى أن السلطات اضطرت إلى إخلاء المركز المالي الرئيسي في الرياض “كافد” بشكل احترازي خوفاً من هجمات إضافية، فيما عاد العمل عن بعد والتعليم الإلكتروني لبعض السكان لأول مرة منذ جائحة كورونا.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات كشفت هشاشة الصورة التي حاولت الرياض تسويقها خلال السنوات الماضية باعتبارها مركزاً آمناً للاستثمارات والأعمال في المنطقة.
وأكد التقرير أن عدداً متزايداً من العمال والخبراء الأجانب بدأوا التفكير جدياً في مغادرة المملكة أو البحث عن خيارات بديلة في مدن خليجية أخرى مثل أبو ظبي والدوحة ودبي.
ويأتي ذلك رغم الاستثمارات الضخمة التي ضختها الحكومة السعودية خلال السنوات الأخيرة لتحويل الرياض إلى مركز إقليمي للمال والتجارة والسياحة.
كما أشار التقرير إلى أن السلطات السعودية اضطرت إلى تخفيف بعض القيود الاجتماعية، بما في ذلك القيود المتعلقة بالكحول وتملك العقارات، في محاولة لجذب الكفاءات الأجنبية وإقناعها بالإقامة داخل المملكة.
ومن أخطر المؤشرات التي رصدها التقرير ما وصفه بـ”تزايد العداء تجاه العمال الأجانب على وسائل التواصل الاجتماعي”.
ويرى مراقبون أن هذا التصاعد يعكس حالة احتقان اجتماعي متنامية داخل السعودية، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع بعض المشاريع الحكومية الكبرى.
وأشار التقرير إلى أن هذا المناخ العدائي بات يهدد أحد أهم أعمدة رؤية السعودية الاقتصادية، التي تعتمد بشكل أساسي على استقطاب الخبرات الأجنبية لتشغيل المشاريع العملاقة التي يروج لها ولي العهد محمد بن سلمان.
كما سلط التقرير الضوء على تراجع الحكومة السعودية عن بعض مشاريع البنية التحتية الكبرى، وهو ما زاد من حالة الشك بشأن قدرة المملكة على الاستمرار في الإنفاق الضخم الذي اعتمدت عليه خلال السنوات الماضية لتسويق مشروع “السعودية الجديدة”.
ويرى متابعون أن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الحرب والمخاطر الأمنية بدأت تؤثر بشكل مباشر على الخطط الاقتصادية الطموحة التي أعلنتها الرياض.
وأشار التقرير إلى أن الرياض، بخلاف مدن خليجية أخرى، تعاني من كثافة سكانية مرتفعة وضغط متزايد على الخدمات والبنية التحتية، ما يجعلها أقل جاذبية للكفاءات الأجنبية مقارنة بالإمارات وقطر.
ورغم نجاح الحكومة سابقاً في تقليص الفجوة المالية التي كانت تدفع المغتربين لتفضيل دبي أو أبو ظبي، فإن الحرب الأخيرة أعادت المخاوف الأمنية إلى الواجهة.
وأكد التقرير أن “الهدوء المتردد” الحالي لن يكون كافياً لاستعادة ثقة المستثمرين والمغتربين.
وخلص التقرير إلى أن مستقبل الاستقرار في السعودية بات مرتبطاً بشكل مباشر بالتوصل إلى تسوية دائمة مع إيران وضمان أمن مضيق هرمز.
وأشار إلى أن أي تصعيد جديد في الخليج قد ينسف الجهود السعودية لتحويل الرياض إلى عاصمة إقليمية للاستثمار والأعمال.
ويرى مراقبون أن الحرب الأخيرة أظهرت حدود القوة السعودية رغم الإنفاق العسكري الضخم، كما كشفت أن مشاريع الترفيه والانفتاح الاقتصادي لا تكفي وحدها لبناء شعور دائم بالأمان والاستقرار.
كما تعكس حالة القلق الحالية حجم التحديات التي تواجه القيادة السعودية في محاولة الجمع بين الانفتاح الاقتصادي والقبضة السياسية الصارمة، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب وتنافس خليجي متزايد على استقطاب رؤوس الأموال والكفاءات الأجنبية.




