إنفاق قياسي على الرياضة وصفقات الترفيه مقابل تراجع خدمات الحجاج في مكة

تواجه الحكومة السعودية موجة انتقادات متصاعدة بسبب الفجوة الكبيرة بين حجم الإنفاق على مشاريع الترفيه والرياضة، وبين المخصصات المعلنة لتطوير المشاعر المقدسة ودعم خدمات الحجاج، في وقت تتكرر فيه شكاوى الإهمال وسوء التنظيم وارتفاع أعداد الوفيات خلال موسم الحج.
وأظهرت أرقام رسمية أن الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة خصصت نحو 6 مليارات ريال فقط على مدى أربع سنوات لتطوير البنية التحتية في المشاعر المقدسة، في مقابل إنفاق صندوق الاستثمارات العامة نحو 18.7 مليار ريال خلال خمس سنوات على دوري “ليف غولف” المدعوم سعودياً.
وبحسب البيانات الرسمية ضخ صندوق الاستثمارات العامة أكثر من خمسة مليارات دولار في دوري LIV للغولف منذ إطلاقه في خريف عام 2021، رغم استمرار الخسائر المالية الضخمة وفشل المشروع حتى الآن في جذب مستثمرين كبار أو تحقيق عوائد اقتصادية مستقرة.
وكان الرئيس التنفيذي لدوري LIV سكوت أونيل قد أقر في تصريحات سابقة بأن المشروع قد يحتاج إلى عقد كامل قبل الوصول إلى مرحلة تحقيق الأرباح، ما أثار تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق الحكومي السعودي في ظل الانتقادات المتكررة لأوضاع الحج والخدمات الأساسية المقدمة للحجاج.
وتزامن الجدل المالي مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بإدارة موسم الحج، بعد إعلان عدة دول إسلامية تسجيل عشرات الوفيات بين حجاجها هذا العام، حيث بلغ عدد الوفيات المعلنة حتى الآن 62 حالة وفاة وفق الإحصاءات الصادرة عن بعثات الحج في بعض الدول.
وتواجه السلطات السعودية انتقادات سنوية بسبب غياب الشفافية فيما يتعلق بالأرقام الحقيقية للوفيات والإصابات داخل المشاعر المقدسة، إذ لا تنشر الرياض بشكل مفصل بيانات رسمية توضح أسباب الوفاة أو الظروف الصحية والتنظيمية المحيطة بالحالات.
ويمثل استمرار عدم إعلان السلطات السعودية بشكل واضح عن أعداد الوفيات وأسبابها، انتهاكاً لحق العائلات في معرفة مصير ذويها، كما يضعف الثقة بإجراءات السلامة والرعاية الصحية داخل المشاعر المقدسة.
كما أثارت تقارير عن تعرض عشرات الحجاج النيجيريين للإهمال موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحدثت مصادر عن بقائهم لأكثر من 24 ساعة دون سكن أو طعام عقب وصولهم إلى مكة المكرمة.
وأظهرت شهادات متداولة أن الحجاج تُركوا في ظروف وُصفت بالمهينة، وسط غياب للرعاية الأساسية وعدم توفير أماكن إقامة مناسبة، رغم التكاليف الباهظة التي تُفرض على الحجاج سنوياً مقابل خدمات يفترض أن تشمل النقل والإسكان والرعاية الصحية.
وأعاد ذلك فتح باب الانتقادات بشأن طبيعة أولويات الحكومة السعودية، التي ضخت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات في مشاريع الترفيه والرياضة العالمية وصفقات استقطاب النجوم والأندية والبطولات، في إطار رؤية ولي العهد محمد بن سلمان لإعادة تشكيل صورة المملكة دولياً.
ويرى مراقبون أن الإنفاق الضخم على مشاريع مثل “ليف غولف” يأتي في وقت تعاني فيه البنية التحتية للمشاعر المقدسة من ضغوط متزايدة بسبب ارتفاع أعداد الحجاج سنوياً، إضافة إلى تكرار الشكاوى المتعلقة بالنقل والخدمات الطبية والإقامة.
كما أثارت المقارنة بين أرقام الإنفاق تساؤلات حول أسباب تخصيص مبالغ محدودة نسبياً لتطوير مكة والمشاعر المقدسة، رغم المكانة الدينية للحرمين الشريفين وحجم الإيرادات الضخمة التي تحققها السعودية سنوياً من مواسم الحج والعمرة.
وقد باتت السلطات السعودية تمنح أولوية واضحة للمشاريع الترفيهية ومحاولات تحسين الصورة الدولية للمملكة عبر الرياضة، مقابل تراجع الاهتمام بالملفات المرتبطة بخدمة الحجاج والبنية الأساسية للمشاعر المقدسة.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تسعى فيه الرياض لتوسيع استثماراتها الرياضية عالمياً، بينما تتواصل المطالب الحقوقية والإنسانية بضرورة تحسين ظروف الحج وتعزيز الشفافية بشأن أوضاع الحجاج وسلامتهم داخل الأراضي المقدسة.




